- قال تعالى: }والعاديات ضبحا{
[العاديات/1]، قيل: الضبح: صوت أنفاس الفرس تشبيها بالضباح، وهو صوت الثعلب، وقيل:
هو الخفيف العدو، وقد يقال ذلك للعدو، وقيل: الضبح كالضبع، وهو مد الضبع في العدو،
وقيل: أصله إحراق العود، شبه عدوه به كتشبيه بالنار في كثرة حركتها.
- الضحك: انبساط الوجه وتكشر
الأسنان من سرور النفس، ولظهور الأسنان عنده سمين مقدمات الأسنان الضواحك.
واستعيرم الضحك للسخرية، فقيل: ضحكت منه، ورجل ضحكة: يضحك من الناس، وضحكة: لمن
يضحك منه (قال الراجز:
إن ضحكت منك كثيرا فتية *
فأنت ضحكة وهم ضحكة
وتقدم ذلك في مادة (برم) ص
121). قال تعالى: }وكنتم منهم تضحكون{
[المؤمنون/110]، }إذا هم منها يضحكون{
[الزخرف/47]، }تعجبون * وتضحكون{
[النجم/59 - 60]، ويستعمل في السرور المجرد نحو: }مسفرة * ضاحكة{
[عبس/38 - 39]، }فليضحكوا قليلا{
[التوبة/82]، }فتبسم ضاحكا{ [النمل/19]، قال الشاعر:
- 291 - تضحك الضبع لقتلى
هذيل * وترى الذئب لها يستهل
(البيت في اللسان (ضحك)، وهو
لتأبط شرا في ديوانه ص 250)
واستعمل للتعجب المجرد تارة،
ومن هذا المعنى قصد من قال: الضحك يختص بالإنسان، وليس يوجد في غيره من الحيوان،
قال: ولهذا المعنى قال تعالى: }وأنه هو أضحك وأبكى{
[النجم/43]، }وامرأته قائمة فصحكت{ [هود
/71]، وضحكها كان للتعجب بدلالة قوله: }أتعجبين من أمر الله{ [هود
/73]، ويدل على ذلك أيضا قوله: }أألد وأنا عجوز{ إلى
قوله: }عجيب{ [هود/72]، وقول من قال: حاضت، فليس ذلك تفسيرا لقوله: }فضحكت{ كما تصوره بعض المفسرين (وفي ذلك قال أبو عمرو: وسمعت أبا موسى
الحامض يسأل أبا العباس - ثعلبا - عن قوله: }فضحكت{ أي: حاضت، وقال إنه قد جاء في التفسير؟ فقال: ليس في كلام العرب،
والتفسير مسلم لأهل التفسير، فقال له فأنت أنشدتنا:
تضحك الضبع لقتلى هذيل *
وترى الذئب بها يستهل
فقال أبو العباس: تضحك ههنا:
تكشر. انظر اللسان: ضحك)، فقال: ضحكت بمعنى حاضت، وإنما ذكر ذلك تنصيصا لحالها،
وأن الله تعالى جعل ذلك أمارة لما بشرت به، فحاضت في الوقت ليعلم أن حملها ليس
بمنكر، إذ كانت المرأة ما دامت تحيض فإنها تحبل، وقول الشاعر في صفة روضة:
- 292 - يضاحك الشمس منها
كوكب شرق * (هذا شطر بيت، وعجزه:
مؤزر بعميم النبت مكتهل
وهو للأعشى في ديوانه ص 145؛
وأساس البلاغة ص 266) فإنه شبه تلألؤها بالضحك، ولذلك سمي البرق العارض ضاحكا،
والحجر يبرق ضاحكا، وسمي البلح حين يتفتق ضحكا، وطريق ضحوك: واضح، وضحك الغدير:
تلألأ من امتلائه، وقد أضحكته.
- الضحى: انبساط الشمس
وامتداد النهار، وسمي الوقت به. قال الله عز وجل: }والشمس وضحاها{
[الشمس/1]، }إلا عشية أو ضحاها{
[النازعات /46]، }والضحى * والليل{
[الضحى/1 - 2]، }وأخرج ضحاها{
[النازعات /29]، }وأن يحشر الناس ضحى{
[طه/59]، وضحى يضحى: تعرض للشمس. قال: }وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى{
[طه/119]، أي: لك أن تتصون من حر الشمس، وتضحى: أكل ضحى، كقولك: تغدى، والضحاء
والغداء لطعامهما، وضاحية كل شيء: ناحيته البارزة، وقيل للسماء: الضواحي وليلة
إضحيانة، وضحياء: مضيئة إضاءة الضحى. والأضحية جمعها أضاحي وقيل: ضحية وضحايا،
وأضحاة وأضحى، وتسميتها بذلك في الشرع لقوله عليه السلام: (من ذبح قبل صلاتنا هذه
فليعد) (عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن سفيان يقول: شهدت مع النبي صلى الله
عليه وسلم العيد يوم النحر، ثم خطب فقال: (من ذبح قبل أن نصلي فليعد أضحيته، ومن
لم يذبح فليذبح على اسم الله عز وجل) أخرجه أحمد في المسند 4/312.
وأخرجه البزار بلفظ: (من كان
ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته). وفيه بكر بن سليمان البصري، وثقه الذهبي، وبقية
رجاله موثقون، انظر: مجمع الزوائد 4/27).
- قال قوم: الضدان الشيئان
اللذان تحت جنس واحد (انظر: التعريفات، ص 37)، وينافي كل واحد منهما الآخر في
أوصافه الخاصة، وبينهما أبعد البعد كالسواد والبياض، والشر والخير، وما لم يكونا
تحت جنس واحد لا يقال لهما ضدان، كالحلاوة والحركة. قالوا: والضد هو أحد
المتقابلات، فإن المتقابلين هما الشيئان المختلفان، اللذان كل واحد قبالة الآخر،
ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد، وذلك أربعة أشياء: الضدان كالبياض والسواد،
والمتناقضان: كالضعف والنصف، والوجود والعدم، كالبصر والعمى، والموجبة والسالبة في
الأخبار، نحوك كل إنسان ههنا، وليس كل إنسان ههنا (قال الأخضري في السلم:
تناقض خلف القضيتين في *
كيف، وصدق واحد أمر قفي
ثم قال:
فإن تكن موجبة كلية *
نقيضها سالبة جزئية
والتناقض: ثبوت الشيء وسلبه،
ففي الكلية: كل إنسان حيوان، بعض الإنسان ليس بحيوان. انظر: إيضاح المبهم من معاني
السلم ص 11). وكثير من المتكلمين وأهل اللغة يجعلون كل ذلك من المتضادات، ويقولون:
ما لا يصح اجتماعهما في محل واحد. وقيل: الله تعالى لا ند له ولا ضد؛ لأن الند هو
الاشتراك في الجوهر؛ والضد هو أن يعتقب الشيئان المتنافيان على جنس واحد، والله
تعالى منزه عن أن يكون جوهرا، فإذا لا ضد له ولا ند، وقوله: }ويكونون عليهم ضدا{
[مريم/82]، أي: منافين لهم.
- الضر: سوء الحال؛ إما في
نفسه لقلة العلم والفضل والعفة؛ وإما في بدنه لعدم جارحة ونقص؛ وإما في حالة ظاهرة
من قلة مال وجاه، وقوله: }فكشفنا ما به من ضر{
[الأنبياء/84]، فهو محتمل لثلاثتها، وقوله: }وإذا مس الإنسان الضر{
[يونس/12]، وقوله: }فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم
يدعنا إلى ضر مسه{ [يونس/12]، يقال: ضره ضرا: جلب إليه ضرا، وقوله: }لن يضروكم إلا أذى{ [آل
عمران/111]، ينبههم على قلة ما ينالهم من جهتهم، ويؤمنهم من ضرر يلحقهم نحو: }لا يضركم كيدهم شيئا{ [آل
عمران/120]، }وليس بضارهم شيئا{
[المجادلة/10]، }وما هم بضارين به من أحد إلا
بإذن الله{ [البقرة/102]، وقال تعالى: }ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم{
[البقرة/102]، وقال: }يدعو من دون الله ما لا يضره
وما لا ينفعه{ [الحج/ 12]، وقوله: }يدعو لمن ضره أقرب من نفعه{
[الحج/13].
فالأول يعنى به الضر والنفع،
اللذان بالقصد والإرادة، تنبيها أنه لا يقصد في ذلك ضرا ولا نفعا لكونه جمادا.
وفي الثاني يريد ما يتولد من
الاستعانة به ومن عبادته، لا ما يكون منه بقصده، والضراء يقابل بالسراء والنعماء،
والضر بالنفع.
قال تعالى: }ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء{
[هود/10]، }ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا
نفعا{ [الفرقان/3]، ورجل ضرير: كناية عن فقد بصره، وضرير الوادي: شاطئه
الذي ضره الماء، والضرير: المضار، وقد ضاررته. قال تعالى: }ولا تضاروهن{
[الطلاق/6]، وقال: }ولا يضار كاتب ولا شهيد{
[البقرة/282]، يجوز أن يكون مسندا إلى الفاعل، كأنه قال: لايضارر [يضار؟؟]، وأن
يكون مفعولا، أي: لا يضارر [يضار؟؟]، بأن يشغل عن صنعته ومعاشه باستدعاء شهادته،
وقال: }لا تضار والدة بولدها{
[البقرة/233]، فإذا قرئ بالرفع فلفظه خبر ومعناه أمر، وإذا فتح فأمر
(قرأ: }لا تضار{ بالرفع ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، وقرأ أبو جعفر بسكونها مخففة
والباقون بفتح الراء.
انظر: الإتحاف ص 158؛ والحجة
للفارسي 2/333).
قال تعالى: }ضرارا لتعتدوا{
[البقرة/231]، والضرة أصلها الفعلة التي تضر، وسمي المرأتان تحت رجل واحد كل واحدة
منهما ضرة؛ لاعتقادهم أنها تضر بالمرأة الأخرى، ولأجل هذا النظر منهم قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها) (الحديث عن
أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسأل المرأة طلاق أختها
لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها) أخرجه مالك في الموطأ (انظر: تنوير
الحوالك 3/93 جامع ما جاء في القدر) ؛ والبخاري 11/432 في القدر؛ ومسلم (1408) في
النكاح) والضراء: التزويج بضرة، ورجل مضر: ذو زوجين فصاعدا. وامرأة مضر: لها ضرة.
والاضطرار: حمل الإنسان على ما يضره، وهو في التعارف حمله على أمر يكرهه، وذلك على
ضربين:
أحدهما: اضطرار بسبب خارج كمن
يضرب، أو يهدد، حتى يفعل منقادا، ويؤخذ قهرا، فيحمل على ذلك كما قال: }ثم أضطره إلى عذاب النار{
[البقرة/ 126]، }ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ{
[لقمان/24].
والثاني: بسبب داخل وذلك إما
بقهر قوة له لا يناله بدفعها هلاك، كمن غلب عليه شهوة خمر أو قمار؛ وإما بقهر قوة
يناله بدفعها الهلاك، كمن اشتد به الجوع فاضطر إلى أكل ميتة، وعلى هذا قوله: }فمن اضطر غير باغ ولا عاد{
[البقرة/173]، }فمن اضطر في مخمصة{
[المائدة/3]، وقال: }أمن يجيب المضطر إذا دعاه{
[النمل/62]، فهو عام في كل ذلك، والضروري يقال على ثلاثة أضرب:
أحدها: إما يكون على طريق
القهر والقسر، لا على الاختيار كالشجر إذا حركته الريح الشديدة.
والثاني: ما لا يحصل وجوده
إلا به نحو الغذاء الضروري للإنسان في حفظ البدن.
والثالث: يقال فيما لا يمكن
أن يكون على خلافه، نحو أن يقال: الجسم الواحد لا يصح حصوله في مكانين في حالة
واحدة بالضرورة.
وقيل: الضرة أصل الأنملة،
وأصل الضرع، والشحمة المتدلية من الألية.
- الضرب: إيقاع شيء على شيء،
ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد، والعصا، والسيف ونحوها،
قال: }فاضربوا فوق الأعناق واضربوا
منهم كل بنان{ [الأنفال/12]، }فضرب الرقاب{
[محمد/4]، }فقلنا اضربوه ببعضها{
[البقرة/73]، }أن أضرب بعصاك الحجر{
[الأعراف/160]، }فراغ عليهم ضربا باليمين{
[الصافات/93]، }يضربون وجوههم{
[محمد/27]، وضرب الأرض بالمطر، وضرب الدراهم، اعتبارا بضرب المطرقة، وقيل: له:
الطبع، اعتبارا بتأثير السمة فيه، وبذلك شبه السجية، وقيل لها: الضريبة والطبيعة.
والضرب في الأرض: الذهاب فيها وضربها بالأرجل. قال تعالى: }وإذا ضربتم في الأرض{
[النساء/101]، }وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في
الأرض{ [آل عمران/156]، وقال: }لا يستطيعون ضربا في الأرض{
[البقرة/273]، ومنه: }فاضرب لهم طريقا في البحر{
[طه/77]، وضرب الفحل الناقة تشبيها بالضرب بالمطرقة، كقولك: طرقها، تشبيها بالطرق
بالمطرقة، وضرب الخيمة بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيها بالخيمة قال: }ضربت عليهم الذلة{ [آل
عمران/112]، أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة بمن ضربت عليه، وعلى هذا: }وضربت عليهم المسكنة{ [آل
عمران/112]، ومنه استعير: }فضربنا على آذانهم في الكهف
سنين عددا{ [الكهف/11]، وقوله: }فضرب بينهم بسور{
[الحديد/13]، وضرب العود، والناي، والبوق يكون بالأنفاس، وضرب اللبن بعضه على بعض
بالخلط، وضرب المثل هو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. قال تعالى:
}ضرب الله مثلا{
[الزمر/29]، }واضرب لهم مثلا{
[الكهف/32]، }ضرب لكم مثلا من أنفسكم{
[الروم/28]، }ولقد ضربنا للناس{
[الروم/58]، }ولما ضرب ابن مريم مثلا{
[الزخرف/57]، }ما ضربوه لك إلا جدلا{
[الزخرف/58]، }واضرب لهم مثل الحياة الدنيا{
[الكهف/45]، }أفنضرب عنكم الذكر صفحا{
[الزخرف/5].
والمضاربة: ضرب من الشركة.
والمضربة: ما أكثر ضربه بالخياطة. والتضريب: التحريض، كأنه حث على الضرب الذي هو
بعد في الأرض، والاضطراب: كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض، واستضراب
الناقة: استدعاء ضرب الفحل إياها.
- الضرع: ضرع الناقة، والشاة،
وغيرهما، وأضرعت الشاة: نزل اللبن في ضرعها لقرب نتاجها، وذلك نحو: أتمر، وألبن:
إذا كثر تمره ولبنه، وشاة ضريع: عظيمة الضرع، وأما قوله: }ليس لهم طعام إلا من ضريع{
[الغاشية/6]، فقيل: هو يبيس الشبرق (الشبرق بالكسر: شجر منبته نجد وتهامة، وثمرته
شاكة؛ والقول الذي ذكره المؤلف هو لأبي عبيدة في المجاز 2/296.
وقالوا: إذا يبس الضريع فهو
الشبرق. وقال الزجاج: الشبرق: جنس من الشوك، إذا كان رطبا فهو شبرق، فإذا يبس فهو
الضريع. انظر: اللسسان (شبرق) )، وقيل: نبات أحمر منتن الريح يرمي به البحر،
وكيفما كان فإشارة إلى شيء منكر. وضرع إليهم: تناول ضرع أمه، وقيل منه: ضرع الرجل
ضراعة: ضعف وذل، فهو ضارع، وضرع، وتضرع: أظهر الضراعة. قال تعالى: }تضرعا وخفية{
[الأنعام/63]، }لعلهم يتضرعون{
[الأنعام/42]، }لعلهم يضرعون{
[الأعراف/94]، أي: يتضرعون فأدغم، }فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا{
[الأنعام/43]، والمضارعة أصلها: التشارك في الضراعة، ثم جرد للمشاركة، ومنه استعار
النحويون لفظ الفعل المضارع.
- الضعف: خلاف القوة، وقد ضعف
فهو ضعيف. قال عز وجل: }ضعف الطالب والمطلوب{
[الحج/73]، والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال، وقيل: الضعف والضعف
لغتان (انظر: المجمل 2/562؛ والبصائر 3/474). قال تعالى: }وعلم أن فيكم ضعفا{
[الأنفال/66]، قال: }ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا{ [القصص/5]، قال الخليل رحمه الله: الضعف بالضم في البدن، والضعف
في العقل والرأي (انظر: العين 1/281)، ومنه قوله تعالى: }فإن كان الذي عليه الحق سفيها
أو ضعيفا{ [البقرة/282]، وجمع الضعيف: ضعاف، وضعفاء. قال تعالى: }ليس على الضعفاء{
[التوبة/91]، واستضعفته: وجدته ضعيفا، قال: }والمستضعفين من الرجال
والنساء والولدان{ [النساء/75]، }قالوا فيم كنتم قالوا كنا
مستضعفين في الأرض{ [النساء/97]، }إن القوم استضعفوني{
[الأعراف/150]، وقوبل بالاستكبار في قوله: }قال الذين استضعفوا للذين
استكبروا{ [سبأ/33]، وقوله: }الله الذي خلقكم من ضعف ثم
جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا{ [الروم/54]. والثاني غير الأول، وكذا الثالث فإن قوله: }خلقكم من ضعف{
[الروم/54]، أي: من نطفة، أو من تراب، والثاني هو الضعف الموجود في الجنين والطفل.
والثالث: الذي بعد الشيخوخة، وهو المشار إليه بأرذل العمر. والقوتان الأولى هي
التي تجعل للطفل من التحرك، وهدايته واستدعاء اللبن، ودفع الأذى عن نفسه بالبكاء،
والقوة الثانية هي التي بعد البلوغ، ويدل على أن كل واحد من قوله: (ضعف) إشارة إلى
حالة غير الحالة الأولى ذكره منكرا، والمنكر متى أعيد ذكره وأريد به ما تقدم عرف
(وهذا حسب القاعدة: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة،
أو أعيدت المعرفة معرفة، أو نكرة كان الثاني عين الأول. قال ابن هشام: فإذا ادعي
أن القاعدة فيهن إنما هي مستمرة مع عدم القرينة، فأما إن وجدت قرينة فالتعويل
عليها، سهل الأمر. راجع: مغني اللبيب ص 863)، كقولك: رايت رجلا، فقال لي الرجل:
كذا. ومتى ذكر ثانيا منكرا أريد به غير الأول، ولذلك قال ابن عباس في قوله: }فإن مع العسر يسرا *
إن مع العسر يسرا{ [الشرح/5 - 6]، لن يغلب عسر يسرين (يروى هذا عن ابن مسعود كما
أخرجه عنه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر،
والبيهقي في شعب الإيمان.
ويروى مرفوعا، فقد أخرج عبد
الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم
فرحا مسرورا وهو يضحك ويقول: (لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر
يسرا).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير
وابن مردويه عن الحسن قال: (لما نزلت هذه الآية: }إن مع العسر يسرا{ قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين) راجع:
الدر المنثور للسيوطي 8/550 - 551؛ والمستدرك 2/528؛ وهو مرسل) وقوله: }وخلق الإنسان ضعيفا{
[النساء/28]، فضعفه: كثرة حاجاته التي يستغني عنها الملأ الأعلى، وقوله: }إن كيد الشيطان كان ضعيفا{
[النساء/76]، فضعف كيده إنما هو مع من صار من عباد الله المذكورين في قوله: }إن عبادي ليس لك عليهم سلطان{
[الإسراء/65]، والضعف هو من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر،
كالنصف والزوج، وهو تركب قدرين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء،
وضعفته، وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعدا. قال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعفت (وهذا قول
أبي عمرو بن العلاء، فقد قال مكي: إن أبا عمرو حكى أن (ضاعفت) أكثر من (ضعفت) ؛
لأن (ضعفت) معناه مرتان، وحكى أن العرب تقول: ضعفت درهمك أي: جعلته درهمين، وتقول:
ضاعفته، أي: جعلته أكثر من درهمين.
والله يعطي الحسنة عشرة
أمثالها إلى سبعمائة ضعف. انظر: الكشف عن وجوه القراءات 1/300)، ولهذا قرأ أكثرهم:
}يضاعف لها العذاب ضعفين{
[الأحزاب/30]، }وإن تك حسنة يضاعفها{
[النساء/40]، وقال: }من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها{ [الأنعام/160]، والمضاعفة على قضية هذا القول تقتضي أن يكون عشر
أمثالها، وقيل: ضعفته بالتخفيف ضعفا، فهو مضعوف، فالضعف مصدر، والضعف اسم، كالثنى
والثنى (انظر: البصائر 3/478)، فضعف الشيء هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى
ذلك العدد ومثله، نحو أن يقال: ضعف العشرة، وضعف المائة، فذلك عشرون ومائتان بلا
خلاف، وعلى هذا قول الشاعر:
- 293 - جزيتك ضعف الود لما
اشتكيته
وما إن جزاك الضعف من أحد
قبلي
(البيت لأبي ذويب الهذلي في
ديوان الهذليين 1/35) ؛ واللسان (ضعف) ؛ والبصائر 3/478)
وإذا قيل: أعطه ضعفي واحد،
فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه وذلك
ثلاثة، هذا إذا كان الضعف مضافا، فأما إذا لم يكن مضافا فقلت: الضعفين فإن ذلك
يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر، فيقتضي ذلك اثنين، لأن كل
واحد منهما يضاعف الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلى
واحد فيثلثهما، نحو ضعفي الواحد، وقوله: }فأولئك لهم جزاء الضعف{
[سبأ/37]، وقوله: }لا تأكلوا الربا أضعافا
مضاعفة{ [آل عمران/ 130]، فقد قيل: أتى باللفظين على التأكيد، وقيل: بل المضاعفة
من الضعف لا من الضعف، والمعنى: ما يعدونه ضعفا فهو ضعف، أي: نقص، كقوله: }وما آتيتم من ربا ليربو في
أموال الناس فلا يربو عند الله{ [الروم/ 39]، وكقوله: }يمحق الله الربا ويربي
الصدقات{ [البقرة/276]، وهذا المعنى أخذه الشاعر فقال:
- 294 - زيادة شيب وهي نقص
زيادتي
(شطر بيت للمتنبي، وعجزه:
[وقوة عشق وهي من قوتي ضعف]. التبيان شرح الديوان 2/283)
وقوله: }فآتهم عذابا ضعفا من النار{
[الأعراف/38]، فإنهم سألوه أن يعذبهم عذابا بضلالهم، وعذابا بإضلالهم كما أشار
إليه بقوله: }ليحملوا أوزارهم كاملة يوم
القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم{ [النحل/25]، وقوله: }لكل ضعف ولكن لا تعلمون{
[الأعراف/38]، أي: لكل منهم ضعف ما لكم من العذاب، وقيل: أي: لكل منهم ومنكم ضعف
ما يرى الآخر، فإن من العذاب ظاهرا وباطنا، وكل يدرك من الآخر الظاهر دون الباطن
فيقدر أن ليس له العذاب الباطن.
- الضغث: قبضة ريحان، أو حشيش
أو قضبان، وجمعه: أضغاث. قال تعالى: }وخذ بيدك ضغثا{
[ص/44]، وبه شبه الأحلام المختلطة التي لا يتبين حقائقها، }قالوا أضغاث أحلام{
[يوسف/44] : حزم أخلاط من الأحلام.
- الضغن والضغن: الحقد الشديد، وجمعه: أضغان. قال تعالى: }أن لن يخرج الله أضغانهم{ [محمد/29]، وبه شبه الناقة، فق