- قال الله تعالى: }وألقوه في غيابت الجب{
[يوسف/10]، أي: بئر لم تطو، وتسميته بذلك إما لكونه محفورا في جبوب، أي: في أرض
غليظة؛ وإما لأنه قد جب، والجب: قطع الشيء من أصله كجب النخل، وقيل: زمن الجباب،
نحو: زمن الصرام، وبعير أجب: مقطوع السنام (انظر: البصائر 1/358) وناقة جباء، وذلك
نحو: أقطع وقطعاء، للمقطوع اليد، وخصي مجبوب: مقطوع الذكر من أصله، والجبة التي هي
اللباس منه، وبه شبه ما دخل فيه الرمح من السنان، والجباب: شيء يعلو ألبان الإبل،
وجبت المرأة النساء حسنا: إذا غلبتهن، استعارة من الجب الذي هو القطع، وذلك
كقولهم: قطعته في المناظرة والمنازعة، وأما الجبجبة (قال في اللسان (والجبجبة)
وعاء يتخذ من أدم يسقى فيه الإبل، وينقع فيه الهبيد) فليست من ذلك، بل سميت به
لصوتها المسموع منها.
- قال الله تعالى: }يؤمنون بالجبت والطاغوت{
[النساء/51]، الجبت (قال الجوهري: وهذا ليس من محض العربية؛ لاجتماع الجيم والتاء
في كلمة من غير حرف ذولقي) والجبس: الفسل (في اللسان: الفسل: الرذل والنذل الذي لا
مروة له) الذي لا خير فيه (انظر: البصائر 1/359)، وقيل: التاء بدل من السين،
تنبيها على مبالغته في الفسولة، كقول الشاعر:
- 87 - عمرو بن يربوع شرار
الناس *** (هذا عجز بيت، وشطره الأول:
يا قبح الله بني السعلاة
وهو لعلباء بن أرقم، وهو في
اللسان (نوت) ؛ والبصائر 1/359؛ والخصائص 2/53؛ والجمهرة 3/32)
أي: خساس الناس، ويقال لكل ما
عبد من دون الله: جبت، وسمي الساحر والكاهن جبتا.
- أصل الجبر: إصلاح الشيء
بضرب من القهر، يقال: جبرته فانجبر واجتبر، وقد قيل: جبرته فجبر (انظر: الأفعال
للسرقسطي 2/260)، كقول الشاعر:
- 88 - قد جبر الدين اإله
فجبر *** (الشطر للعجاج وبعده:
وعور الرحمن من ولى العور
وهو في ديوانه ص 4؛ وتهذيب
اللغة 11/60؛ والأفعال 2/260؛ واللسان (جبر) ؛ والبصائر 1/360)
هذا قول أكثر أهل اللغة، وقال
بعضهم: ليس قوله (فجبر) مذكورا على سبيل الانفعال، بل ذلك على سبيل الفعل، وكرره،
ونبه بالأول على الابتداء بإصلاحه، وبالثاني على تتميمه، فكأنه قال: قصد جبر الدين
وابتدأ به فتمم جبره، وذلك أن (فعل) تارة يقال لمن ابتدأ بفعل، وتارة لمن فرغ منه.
وتجبر بعد الأكل يقال إما لتصور معنى الاجتهاد والمبالغة، أو لمعنى التكلف، كقول
الشاعر:
- 89 - تجبر بعد الأكل لهو
نميص *** (هذا عجز بيت لامرئ القيس، وشطره:
ويأكلن من قو لعاعا وربة
وهو في ديوانه ص 93؛ واللسان
(جبر) )
وقد يقال الجبر تارة في
الإصلاح المجرد، نحو قول علي رضي الله عنه: (يا جابر كل كسير، ويا مسهل كل عسير)
ومنه قولهم للخبز: جابر بن حبة (انظر: اللسان (جبر)، والبصائر 1/361)، وتارة في
القهر المجرد نحو قوله عليه السلام: (لاجبر ولا تفويض) (ليس هذا بحديث بل من قول
المتكلمين في مذهب أهل السنة؛ وهو قول جعفر الصادق. انظر نثر الدر 1/363) والجبر
في الحساب: إلحاق شيء به إصلاحا لما يريد إصلاحه، وسمي السلطان جبرا كقول الشاعر:
- 90 - وانعم صباحا أيها
الجبر *** (هذا عجز بيت، وشطره:
واسلم براووق حبيت به
وهو لابن أحمر في ديوانه ص
94؛ والبصائر 1/361؛ واللسان (جبر) )
لقهره الناس على ما يريده، أو
لإصلاح أمورهم.
والإجبار في الأصل: حمل الغير
على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرد، فقيل: أجبرته على كذا، كقولك:
أكرهته.
وسمي الذين يدعون أن الله
تعالى يكره العباد على المعاصي في تعارف المتكلمين مجبرة، وفي قول المتقدمين جبرية
وجبرية. والجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا
لا يقال إلا على طريق الذم، كقوله عز وجل: }وخاب كل جبار عنيد{
[إبراهيم/15]، وقوله تعالى: }ولم يجعلني جبارا شقيا{
[مريم/32]، وقوله عز وجل: }إن فيها قوما جبارين{
[المائدة/22]، وقوله عز وجل: }كذلك يطبع الله على قلب متكبر
جبار{ [غافر/35]، أي: متعال عن قبول الحق: والإيمان له. يقال للقاهر
غيره: جبار، نحو: }وما أنت عليهم بجبار{
[ق/45]، ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل: نخلة جبارة وناقة جبار (غريب الحديث
لابن قتيبة 1/615). وما روي في الخبر: (ضرس الكافر في النار مثل أحد، وكثافة جلده
أربعون ذراعا بذراع الجبار) (قوله عليه السلام: (ضرس الكافر في النار مثل أحد) هذا
الشطر صحيح متفق على صحته. وأخرجه البخاري في صحيحه. انظر: فتح الباري 11/415؛
وأخرجه أحمد 2/328؛ وابن حبان (انظر: الإحسان 9/284) ؛ ومسلم (2851) ؛ وعارضة
الأحوذي 10/47. وقوله: (وكثافة جلده... ) قال ابن حجر: وأخرجه البزار عن أبي هريرة
بسند صحيح بلفظ: (غلظ جلد الكافر وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار)
وأخرجه البيهقي، وعند ابن المبارك في الزهد بسند صحيح: (وكثافة جلده سبعون ذراعا).
انظر: فتح الباري 11/423؛ والزهد لابن المبارك ص 87؛ وشرح السنة 15/250) فقد قال
ابن قتيبة: هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له: ذراع الشاة (قال ابن حجر:
وجزم ابن حبان لما أخرجه في صحيحه بأن الجبار ملك كان باليمن. انظر: فتح الباري
15/423).
فأما في وصفه تعالى نحو: }العزيز الجبار المتكبر{
[الحشر/23]، فقد قيل: سمى بذلك من قولهم: جبرت الفقير؛ لأنه هو الذي يجبر الناس
بفائض نعمه، وقيل: لأنه يجبر الناسن أي: يقهرهم على ما يريده (انظر: الأسماء
والصفات للبيهقي ص 48).
ودفع بعض أهل اللغة (وهو ابن
قتيبة في غريب الحديث 2/145) ذلك من حيث اللفظ، فقال: لا يقال من (أفعلت) فعال،
فجبار لا يبنى من: أجبرت، فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله: (لا جبر
ولا تفويض) لا من لفظ الإجبار (قال ابن الأثير: يكون من اللغة الأخرى، يقال: جبرت
وأجبرت بمعنى قهرت. وانظر: النهاية 1/236؛ ومعاني الفراء 3/81؛ والغريبين 1/312)،
وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا: يتعالى الله عن ذلك، وليس ذلك
بمنكر فإن الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه
الحكمة الإلهية، لا على ما تتوهمه الغواة والجهلة، وذلك كإكراههم على المرض والموت
والبعث وسخر كلا منهم لصناعة يتعاطاها، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحراها، وجعله
مجبرا في صورة مخير، فإما راض بصنعته لا يريد عنها حولا؛ وإما كاره لها يكابدها مع
كراهيته لها، كأنه لا يجد عنها بدلا ولذلك قال تعالى: }فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل
حزب بما لديهم فرحون{ [المؤمنون/53]، وقال عز وجل: }نحن قسمنا بينهم معيشتهم في
الحياة الدنيا{ [الزخرف/32]، وعلى هذا الحد وصف بالقاهر، وهو لا يقهر إلا على ما
تقتضي الحكمة أن يقهر عليه، وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه: (يا بارئ
المسموكات وجبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها).
وقل ابن قتيبة (غريب الحديث
2/145) : هو من: جبرت العظم، فإنه جبر القلوب على فطرتها من المعرفة، فذكر لبعض ما
دخل في عموم ما تقدم. وجبروت: فعلوت من التجبر، واستجبرت حالة: تعاهدت أن أجبرها،
وأصابته مصيبة لا يجتبرها أي: لا يتحرى لجبرها من عظمها، واشتق من لفظ جبر العظم
الجبيرة: للخرقة التي تشد على المجبور، والجبارة للخشبة التي تشد عليه، وجمعها
جبائر، وسمي الدملوج (هو الحجر الأملس) جبارة تشبيها بها في الهيئة، والجبار: لما
يسقط من الأرش. *** جبل
- الجبل جمعه: أجبال وجبال،
وقال عز وجل: }ألم نجعل الأرض مهادا ***
والجبال أوتادا{ [النبأ/6 - 7]، وقال تعالى: }والجبال أرساها{
[النازعات/32]، وقال تعالى: }وينزل من السماء فيها من برد{
[النور/43]، وقال تعالى: }ومن الجبال جدد بيض وحمر
مختلف ألوانها{ [فاطر/27]، }ويسألونك عن الجبال فقل:
ينسفها ربي نسفا{ [طه/105]، }وتنحتون من الجبال بيوتا
فارهين{ [الشعراء/149]، واعتبر معانيه، فاستعير منه واشتق منه بحسبه،
فقيل: فلان جبل لا يتزحزح تصورا لمعنى الثبات فيه.
وجبله الله على كذا، إشارة
إلى ما ركب فيه من الطبع الذي يأبى على الناقل نقله، وفلان ذو جبلة، أي: غليظ
الجسم، وثوب جيد الجبلة، وتصور منه معنى العظم، فقيل للجماعة العظيمة: جبل. قال
الله تعالى: }ولقد أضل منكم جبلا كثيرا{
[يس/62]، أي: جماعة تشبيها بالجبل في العظم وقرئ: }جبلا{ (وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ورويس وخلف، بضمتين وتخفيف
اللام) مثقلا.
قال التوزي (اسمه عبد الله بن
محمد، توفي 230 ه. راجع أخباره في إنباه الرواة 2/126) : جبلا (وبها قرأ أبو عمرو
وابن عامر) وجبلا وجبلا (وبها قرأ روح عن يعقوب) وجبلا.
وقال غيره: جبلا جمع جبلة،
ومنه قوله عز وجل: }واتقوا الذي خلقكم والجبلة
الأولين{ [الشعراء/184]، أي: المجبولين على أحوالهم التي بنوا عليها،
وسلبهم التي قيضوا لسلوكها المشار إليها بقوله تعالى: }قل كل يعمل على شاكلته{
[الإسراء/84]، وجبل: صار كالجبل في الغلظ.
- قال تعالى: }وتله للجبين{ [الصافات/103]،
فالجبينان جانبا الجبهة، والجبن: ضعف القلب عما يحق أن يقوى عليه. ورجل جبان
وامرأة جبان، وأجبنته: وجدته جبانا (انظر: صفحة 82 حاشية 1) وحكمت بجبنه، والجبن:
ما يؤكل. وتجبن اللبن: صار كالجبن.
الجبهة: موضع السجود من
الرأس، قال الله تعالى: }فتكوى بها جباههم وجنوبهم{
[التوبة/35]، والنجم يقال له: جبهة تصورا أنه كالجبهة للمسمى بالأسد، ويقال لأعيان
الناس جبهة، وتسميتهم بذلك كتسميتهم بالوجوه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (ليس في الجبهة صدقة) (الحديث عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (ليس في الخضرواوات صدقة، ولا في العرايا صدقة ولا في أقل من خمسة أوسق
صدقة، ولا في العوامل صدقة، ولا في الجبهة صدقة). أخرجه الدارقطني، وفيه الصقر بن
حبيب وأحمد بن الحارث، وكلاهما ضعيف.
وله طرق أخرى، وقال البيهقي:
وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا. انظر: سنن الدارقطني 2/95؛ والدر المنثور 2/51) أي:
الخيل.
- يقال: جبيت الماء في الحوض:
جمعته، والحوض الجامع له: جابية، وجمعها جواب.
قال الله تعالى: }وجفان كالجواب{
[سبأ/13]، ومنه استعير: جبيت الخراج جباية، ومنه قوله تعالى: }يجبى إليه ثمرات كل شيء{ [القصص/57]،
والاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء. قال عز وجل: }فاجتباه ربه{
[القلم/50]، وقال تعالى: }وإذا لم تأتهم بآية قالوا:
لولا اجتبيتها{ [الأعراف/203]، أي: يقولون: هلا جمعتها، تعريضا منهم بأنك تخترع
هذه الآيات وليست من الله.
واجتباء الله العبد: تخصصيه
إياه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء وبعض
من يقاربهم من الصديقين والشهداء، كما قال تعالى: }وكذلك يجتبيك ربك{
[يوسف/6]، }فاجتباه ربه فجعله من
الصالحين{ [القلم/50]، }واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
مستقيم{ [الأنعام/87]، وقوله تعالى: }ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى{
[طه/122]، وقال عز وجل: }يجتبي إليه من يشاء ويهدي
إليه من ينيب{ [الشورى/13]، وذلك نحو قوله تعالى: }إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى
الدار{ [ص/46].
- يقال: جثثته فانجث، وجثثته
فاجتث (انظر: اللسان (جث) ؛ والبصائر 1/367)، قال الله عز وجل: }اجتثت من فوق الأرض{
[إبراهيم/26]، أي: اقتلعت جثتها، والمجثة: ما يجث به، وجثة الشيء: شخصه الناتئ،
والجث: ما ارتفع من الأرض، كالأكمة، والجثيثة سميت به لما بان جثته بعد طبخه،
والجثجاث: نبت.
- }فأصبحوا في دارهم جاثمين{
[الأعراف/78]، استعارة للمقيمين، من قولهم: جثم الطائر إذا قعد ولطئ بالأرض،
والجثمان: شخص الإنسان قاعدا، ورجل جثمه وجثامة كناية عن النؤوم والكسلان.
- جثى على ركبتيه يجثوا جثوا
وجثيا فهو جاث، نحو: عتا يعتو عتوا وعتيا، وجمعه: جثي نحو: باك وبكي، وقوله عز
وجل: }ونذر الظالمين فيها جثيا{
[مريم/72]، يصح أن يكون جمعا نحو: بكي، وأن يكون مصدرا موصوفا به، والجاثية في
قوله عز وجل: }وترى كل أمة جاثية{
[الجاثية/28] فموضوع موضع الجمع، كقولك: جماعة قائمة وقاعدة. *** جحد
- الجحود: نفي ما في القلب
إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جحد جحودا وجحدا قال عز وجل: }وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم{
[النمل/14]، وقال عز وجل: }بآياتنا يجحدون{
[الأعراف/51]. وتجحد تخصص بفعل ذلك، يقال: رجل جحد: شحيح قليل الخير يظهر الفقر،
وأرض جحدة: قليلة النبت، يقال: جحدا له ونكدا، وأجحد: صار ذا جحد.
- الجحمة: شدة تأجج النار،
ومنه: الجحيم، وجحم وجهه من شدة الغضب، استعارة من جحمه النار، وذلك من ثوران
حرارة القلب، وجحمتا الأسد: عيناه لتوقدهما.
- الجد: قطع الأرض المستوية،
ومنه: جد في سيره يجد جدا، وكذلك جد في أمره وأجد: صار ذا جد، وتصور من: جددت
الأرض: القطع المجرد، فقيل: جددت الثوب إذا قطعته على وجه الإصلاح، وثوب جديد:
أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما أحدث إنشاؤه، قال تعالى: }بل هم في لبس من خلق جديد{
[ق/15]، إشارة إلى النشأة الثانية، وذلك قولهم: }أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع
بعيد{ [ق/3] وقوبل الجديد بالخلق لما كان المقصود بالجديد القريب العهد
بالقطع من الثوب، ومنه قيل لليل والنهار: الجديدان والأجدان (انظر: جنى الجنتين ص
33؛ والبصائر 1/370؛ والمجمل 1/169؛ ويقال: لا أفعله ما اختلف الجديدان) قال
تعالى: }ومن الجبال جدد بيض{
[فاطر/27]، جمع جدة، أي: طريقة ظاهرة، من قولهم: طريق مجدود، أي مسلوك مقطوع (قال
ابن مالك في مثلثه:
قطع وحظ وجلال جد ***
وضد هزل واجتهاد جد
والبشر والشخص العظيم جد ***
وسنوات القحط والإجداب)، ومنه: جادة الطريق، والجدود والجداء من الضأن: التي انقطع
لبنها. وجد ثدي أمه على طريق الشتم (يقال ذلك إذا دعي عليه بالقطيعة)، وسمي الفيض
الإلهي جدا، قال تعالى: }وأنه تعالى جد ربنا{
[الجن/3]، أي: فيضه، وقيل: عظمته، وهو يرجع إلى الأول، وإضافته إليه على سبيل
اختصاصه بملكه، وسمي ما جعل الله للإنسان من الحظوظ الدنيوية جدا، وهو البخت،
فقيل: جددت وحظظت وقوله عليه السلام: (لاينفع ذا الجد منك الجد) (الحديث عن
المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة: (لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا
مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وهو صحيح أخرجه
البخاري في باب الذكر بعد الصلاة (انظرك الفتح 2/325)، والاعتصام 13/264؛ ومسلم
برقم (593) ؛ وانظر: شرح السنة 3/225. وللسيوطي رسالة في معناه، انظرها في الحاوي
للفتاوي 1/383)، أي: لا يتوصل إلى ثواب الله تعالى في الآخرة بالجد، وإنما ذلك
بالجد في الطاعة، وهذا هو الذي أنبأ عنه قوله تعالى: }من كان يريد العاجلة عجلنا له
فيها ما نشاء لمن نريد{ [الإسراء/18]، }ومن أراد الآخرة وسعى لها
سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا{ [الإسراء/19]، وإلى ذلك أشار بقوله: }يوم لا ينفع مال ولا بنون{
[الشعراء/88].
والجد: أبو الأب وأبو الأم.
وقيل: معنى (لا ينفع ذا الجد) : لا ينفع أحدا نسبه وأبوته، فكما نفى نفع البنين في
قوله: }يوم لا ينفع مال ولا بنون{
[الشعراء/88]، كذلك نفى نفع الأبوة في هذا الحديث.
- قال تعالى: }يوم يخرجون من الأجداث سراعا{
[المعارج/43]، جمع الجدث، يقال: جدث وجدف (انظر: المجمل 1/179)، وفي سورة يس: }فإذا هم من الأجداث إلى ربهم
ينسلون{ [يس/51].
- الجدار: الحائط، إلا أن
الحائط يقال اعتبارا بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتبارا بالنتو والارتفاع،
وجمعه جدر. قال تعالى: }وأما الجدار فكان لغلامين{
[الكهف/82]، وقال: }جدار يريد أن ينقض فأقامه{
[الكهف/77]، وقال تعالى: }أو من وراء جدر{
[الحشر/14]، وفي الحديث: (حتى يبلغ الماء الجدر) (الحديث عن عبد الله بن الزبير أن
رجلا خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر،
فأبى عليه الزبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل إلى
جارك، قال: فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول
الله، ثم قال: اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير: فوالله إني
لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك...
{. والحديث صحيح أخرجه الشيخان وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه، انظره في فتح الباري 8/254؛ ومعالم السنن 4/181؛ وسنن ابن ماجه 2/829،
والمسند 1/165، وأبو داود 3637)، وجدرت الجدار: رفعته، واعتبر منه معنى النتو
فقيل: جدر الشجر: إذا خرج ورقة كأنه حمص، وسمي النبات الناتئ من الأرض جدرا،
الواحد: جدرة وأجدرت الأرض: أخرجت ذلك، وجدر (انظر: الأمثال 2/269؛ واللسان (جدر)
) الصبي وجدر: إذا خرج جدرية تشبيها بجدر الشجر.
وقيل: الجدري والجدرة: سلعة
تظهر في الجسد، وجمعها أجدار، وشاة جدراء (في اللسان: وشاة جدراء: تقوب جلدها عن
داء يصيبها، وليس من جدري) والجيدر: القصير. اشتق ذلك من الجدار، وزيد فيه حرف على
سبيل التهكم حسبما بيناه في (أصول الاشتقاق). والجدير: المنتهى لانتهاء الأمر إليه
انتهاء الشيء إلى الجدار، وقد جدر بكذا فهو جدير، وما أجدره بكذا وأجدر به.
- الجدال: المفاوضة على سبيل
المنازعة والمغالبة، وأصله من: جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله ومنه: الجديل (الجديل
والجدالة: الأرض. راجع: المحكم 1/179)، وجدلت البناء: أحكمته، ودرع مجدولة،
والأجدل: الصقر المحكم البنية. والمجدل: القصر المحكم البناء، ومنه: الجدال، فكأن
المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه. وقيل: الأصل في الجدال: الصراع وإسقاط
الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة. قال الله تعالى: }وجادلهم بالتي هي أحسن{
[النحل/125]، }الذين يجادلون في آيات الله{
[غافر/35]، }وإن جادلوك فقل الله أعلم{
[الحج/68]، }قد جادلتنا فأكثرت جدالنا{
[هود/32]، وقرئ: (جدلنا) (وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن عباس. انظر: تفسير القرطبي
9/28؛ وإعراب القرآن للنحاس 2/88). }ما ضربوه لك إلا جدلا{
[الزخرف/58]، }وكان الإنسان أكثرشيء جدل{
[الكهف/54]، وقال تعالى: }وهم يجادلون في الله{ [الرعد/13]،
}يجادلنا في قوم لوط{
[هود/74]، }وجادلوا بالباطل{
[غافر/5]، }ومن الناس من يجادل في الله{
[الحج/3]، }ولا جدال في الحج{
[البقرة/197]، }يا نوح قد جادلتنا{
[هود/32].
- الجذ: كسر الشيء وتفتيته،
ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب: جذاذ، ومنه قوله تعالى: }فجعلهم جذاذا{
[الأنبياء/58]، }عطاء غير مجذوذ{
[هود/108]، أي: غير مقطوع عنهم ولا محترم وقيل: ما عليه جذة، أي: متقطع من الثياب.
- الجذع جمعه جذوع، قال: }في جذوع النخل{
[طه/71].
جذعته: قطعته قطع الجذع،
والجذع من الإبل: ما أتت لها خمس سنين، ومن الشاة: ما تمت له سنة. ويقال للدهم
الإزالة: الجذع، تشبيها بالجذع من الحيوان.
- الجذوة والجذوة: الذي يبقى
من الحطب بعد الالتهاب، والجمع: جذى. قال عز وجل: }أو جذوة من النار{
[القصص/29]، قال الخليل: يقال: جذا يجذو، نحو: جثا يجثو (انظر: العين 6/171)، إلا
أن جذا أدل على اللزوم. ويقال: جذا القراد في جنب البعير: إذا شد التزامه به،
وأجذت الشجرة: صارت ذات جذوة, وفي الحديث: (كمثل الأرزة المجذية) (الحديث: (ومثل
المنافق مثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها مرة). والحديث متفق عليه.
راجع: فتح الباري 10/103؛ ومسلم (2810) ؛ ومسند أحمد 3/454؛ وشرح السنة 5/248.
والمجذية: الثابتة. ).
ورجل جاذ: مجموع الباع، كأن
يديه جذوة وامرأة جاذية.
- الجرح: أثر دام في الجلد،
يقال: جرحه جرحا، فهو جريح ومجروح. قال تعالى: }والجروح قصاص{
[المائدة/45]، وسمي القدح في الشاهد جرحا تشبيها بهن وتسمى الصائدة من الكلاب
والفهود والطيور جارحة، وجمعها جوارح؛ إما لأنها تجرح؛ وإما لأنها تكسب. قال عز
وجل: }وما علمتم من الجوارح مكلبين{
[المائدة/4]، وسميت الأعضاء الكاسبة جوارح تشبيها بها لأحد هذين، والاجتراح:
اكتساب الإثم، وأصله من الجراحة، كما أن الاقتراف من: قرف القرحة (في اللسان: قرف
القرحة فتقرفت، أي: قشرها، وذلك إذا يبست)، قال تعالى: }أم حسب الذين اجترحوا السيئات{
[الجاثية/21].
- الجراد معروف، قال تعالى: }فأرسلنا عليهم الطوفان
والجراد والقمل{ [الأعراف/133]، وقال: }كأنهم جراد منتشر{ [القمر/7]،
فيجوز أن يجعل أصلا فيشتق من فعله: جرد الأرض، ويصح أن يقال: إنما سمي لجرده الأرض
من النبات، يقال: أرض مجرودة، أي: أكل ما عليها حتى تجردت. وفرس أجرد: منحسر
الشعر، وثوب جرد: خلق، وذلك لزوال وبره وقوته، وتجرد عن الثوب، وجردته عنه، وامرأة
حسنة المتجرد. وروي: (جردوا القرآن) (هذا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، قال:
(جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يخرج من البيت
الذي تقرأ فيه سورة البقرة). أخرجه ابن أبي شيبة 6/150.
وراجع غريب الحديث لأبي عبيد
4/46؛ والفائق 1/205؛ والنهاية 1/256) أي: لا تلبسوه شيئا آخر ينافيه، وانجرد بنا
السير (أي: امتد)، وجرد الإنسان (في اللسان: جرد الرجل بالكسر جردا فهو جرد؛ شري
جلده من أكل الجراد) : شري جلده من أكل الجراد.
- قال عز وجل: }صعيدا جرزا{
[الكهف/8]، أي: منقطع النبات من أصله، وأرض مجروزة: أكل ما عليها، والجروز: الذي
يأكل ما على الخوان، وفي المثل: لا ترضى شانئة إلا بجرزة (أأي: من شدة بغضها لا
ترضى للذين تبغضهم إلا بالاستئصال، انظر: المجمل 1/182؛ ومجمع الأمثال 2/212)، أي:
باستئصال، والجارز: الشديد من السعال، تصور منه معنى الجرز، والجرز: قطع بالسيف،
وسيف جراز (جراز كغراب، أي: قطاع).
- جرع الماء يجرع، وقيل: جرع
(راجع: الأفعال 2/300)، وتجرعه: إذا تكلف جرعه. قال عز وجل: }يتجرعه ولا يكاد يسيغه{
[إبراهيم/17]، والجرعة: قدر ما يتجرع، وأفلت بجريعة الذقن (الجريعة: تصغير الجرعة،
وهو آخر ما يخرج من النفس.
وقال أبو زيد: يراد أنه كان
قريبا من الهلاك كقرب الجرعة من الذقن. راجع: الغريبين 1/341؛ والنهاية 1/261؛
والمجمل 1/184)، بقدر جرعة من النفس. ونوق مجاريع: لم يبق من ضروعها من اللبن إلا
جرع، والجرع والجرعاء: رمل لا ينبت شيئا كأنه يتجرع البذر.
- قال عز وجل: }على شفا جرف هار{
[التوبة/109]، يقال للمكان الذي يأكله السيل فيجرفه - أي: يذهب به -: جرف، وقد جرف
الدهر ماله، أي: اجتاحه تشبيها به، ورجل جراف: نكحة، كأنه يجرف في ذلك العمل.
- أصل الجرم: قطع الثمرة عن
الشجر، ورجل جارم، وقوم جرام، وثمر جريم. والجرامة: رديء التمر المجروم، وجعل
بناؤه بناء النفاية، وأجرم: صار ذا جرم، نحو: أثمر وألبن، واستعير ذلك لكل اكتساب
مكروه، ولا يكاد يقال في عامة كلامهم للكيس المحمود، ومصدره: جرم، وقول الشاعر في
صفة عقاب:
- 91 - جريمة ناهض في رأس نيق
*** (الشطر لأبي خراش الهذلي، وعجزه:
ترى العظام ما جمعت صليبا
وهو في ديوان الهذليين 2/133؛
واللسان (جرم) ؛ والمجمل 1/184؛ وشمس العلوم 1/310؛ وديوان الأدب 1/399)
فإنه سمى اكتسابها لأولادها
جرما من حيث إنها تقتل الطيور، أو لأنه تصورها بصورة مرتكب الجرائم لأجل أولادها،
كما قال بعضهم: ما ذو ولد - وإن كان بهيمة - إلا ويذنب لأجل أولاده.
- فمن الإجرام قوله عز وجل: }إن الذين أجرموا كانوا من
الذين آمنوا يضحكون{ [المطففين/29]، وقال تعالى: }فعلي إجرامي{
[هود/35]، وقال تعالى: }كلوا وتمتعوا قليلا إنكم
مجرمون{ [المرسلات/46]، وقال تعالى: }إن المجرمين في ضلال وسعر{
[القمر/47]، وقال عز وجل: }إن المجرمين في عذاب جهنم
خالدون{ [الزخرف/74].
- ومن جرم، قال تعالى: }لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم{
[هود/89]، فمن قرأ بالفتح (أي: فتح الياء وهو قراءة الجميع) فنحو: بغيته مالا، ومن
ضم (وهو الأعمش وقراءته شاذة) فنحو: أبغيته مالا، أي أغثته.
وقوله عز وجل: }ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا{ [المائدة/8]، قوله عز وجل: }فعلي إجرامي{ [هود/35]، فمن كسر (اتفق جميع القراء على كسر الهمزة من }إجرامي{ ) فمصدر، ومن فت