كتاب الحاء

 الحب والحبة

يقال في الحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات، والحب والحبة في بزور الرياحين، قال الله تعالى: }كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة{ [البقرة/261]، وقال: }ولا حبة في ظلمات الأرض{ [الأنعام/59]، وقال تعالى: }إن الله فالق الحب والنوى{ [الأنعام/95]، وقوله تعالى: }فأنبتنا به جنات وحب الحصيد{ [ق/9]، أي: الحنطة وما يجري مجراها مما يحصد، وفي الحديث: (كما تنبت الحبة في حميل السيل) (الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، أم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟) أخرجه البخاري في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال 1/72؛ ومسلم في باب الإيمان رقم (299) ).

والحب: من فرط حبه، والحبب: تنضد الأسنان تشبيها بالحب، والحباب من الماء: النفاخات تشبيها به، وحبة القلب تشبيها بالحبة في الهيئة، وحببت فلانا، يقال في الأصل بمعنى: أصبت حبة قلبه، نحو: شغفته وكبدته وفأدته، وأحببت فلانا: جعلت قلبي معرضا لحبه، لكن في التعارف وضع محبوب موضع محب، واستعمل (حببت) أيضا موضع (أحببت). والمحبة: إرادة ما تراه أو تظنه خيرا، وهي على ثلاثة أوجه:

- محبة للذة، كمحبة الرجل المرأة، ومنه: }ويطعمون الطعام على حبه مسكينا{ [الإنسان/8].

- ومحبة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه: }وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب{ [الصف/13].

- ومحبة للفضل، كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم.

وربما فسرت المحبة بالإرادة في نحو قوله تعالى: }فيه رجال يحبون أن يتطهروا{ [التوبة/108]، ليس كذلك؛ فإن المحبة أبلغ من الإرادة كما تقدم آنفا، فكل محبة إرادة، وليس كل إرادة محبة، وقوله عز وجل: }إن استحبوا الكفر على الإيمان{ [التوبة/23]، أي: إن آثروه عليه، وحقيقة الاستحباب: أن يتحرى الإنسان في الشيء أن يحبه، واقتضى تعديته ب (على) معنى الإيثار، وعلى هذا قوله تعالى: }وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى{ [فصلت/17]، وقوله تعالى: }فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه{ [المائدة/54]، فمحبة الله تعالى للعبد إنعامه عليهن ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه.

وقوله تعالى: }إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي{ [ص/32]، فمعناه: أحببت الخيل حبي للخير، وقوله تعالى: }إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين{ [البقرة/222]، أي: يثيبهم وينعم عليهم، وقال: }لا يحب كل كفار أثيم{ [البقرة/276]، وقوله تعالى: }والله لا يحب كل مختل فخور{ [الحديد/23]، تنبيها أنه بارتكاب الآثام يصير بحيث لا يتوب لتماديه في ذلك، وإذا لم يتب لم يحبه الله المحبة التي وعد بها التوابين والمتطهرين.

وحبب الله إلي كذا، قال الله تعالى: }ولكن الله حبب إليكم الإيمان{ [الحجرات/7]، وأحب البعير: إذا حرن ولزم مكانه، كأنه أحب المكان الذي وقف فيه، وحبابك أن تفعل كذا (انظر: مجمل اللغة 1/220)، أي: غاية محبتك ذلك.

 حبر

- الحبر: الأثر المستحسن، ومنه ما روي: (يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره) (الحديث أخرجه أبو عبيد في غريبه 1/85؛ والفائق 1/229؛ والنهاية 1/327) أي: جماله وبهاؤه، ومنه سمي الحبر، وشاعر محبر، وشعر محبر، وثوب حبير: محسن، ومنه أرض محبار (أي: سريعة النبات)، والحبير من السحاب، وحبر (انظر: المجمل 1/261؛ والأفعال 1/395) فلان: بقي بجلده أثر من قرح، والحبر: العالم وجمعه: أحبار، لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهم الحسنة المقتدى بها، قال تعالى: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{ [التوبة/31]، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين رضي الله عنه بقوله: (العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة) (راجع: جامع بيان العلم وفضله 1/57؛ ونهج البلاغة ص 692). وقوله عز وجل: }في روضة يحبرون{ [الروم/15]، أي: يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم.

 حبس

- الحبس: المنع من الانبعاث، قال عز وجل: }تحبسونهما من بعد الصلاة{ [المائدة/106]، والحبس: مصنع الماء الذي يحبسه، والأحباس جمع، والتحبيس: جعل الشيء موقوفا على التأبيد، يقال: هذا حبيس في سبيل الله.

 حبط

- قال الله تعالى: }حبطت أعمالهم{ [المائدة/53]، }ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون{ [الأنعام/88]، }وسيحبط أعمالهم{ [محمد/32]، }وليحبطن عملك{ [الزمر/65]، وقال تعالى: }فأحبط الله أعمالهم{ [الأحزاب/19]، وحبط العمل على أضرب:

أحدها: أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة غناءا، كما أشار إليه بقوله: }وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا{ [الفرقان/23].

والثاني: أن تكون أعمالا أخروية، لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، كما روي: (أنه يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: بم كان اشتغالك؟ قال: بقراءة القرآن، فيقال له: قد كنت تقرأ ليقال: هو قارئ، وقد قيل ذلك، فيؤمر به إلى النار) (الحديث ذكره المؤلف بمعناه، وهو عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: فلان جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار... ) الحديث أخرجه مسلم والنسائي، والترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه. انظر: الترغيب والترهيب 1/29؛ وعارضة الأحوذي 9/226؛ ومسند أحمد 2/321؛ وسنن النسائي 6/23؛ ومسلم في الإمارة، باب من قاتل للرياء برقم (1905) ؛ وانظر: شرح النسة 14/334).

والثالث: أن تكون أعمالا صالحة، ولكن بإزائها سيئات توفي عليها، وذلك هو المشار إليه بخفة الميزان.

وأصل الحبط من الحبط، وهو أن تكثر الدابة أكلا حتى ينتفخ بطنهان وقال عليه السلام: (إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم) (الحديث في الصحيحين، راجع فتح الباري 11/244 باب ما يحذر من زهرة الدنيا؛ ومسلم رقم (1052). ورواية البخاري: (إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضرة). وسمي الحارث الحبط (قال في اللسان: والحبط: الحارث بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، سمي بذلك لأنه كان في سفر فأصابه مثل الحبط الذي يصيب الماشية فنسبوا إليه. انتهى.

أقول: وفي شعر الفرزدق:

بنو مسمع أكفاؤها آل دارم *** وتنكح في أكفائها الحبطات

ولا يدرك الغايات إلا جيادها *** ولا تستطيع الجلة البكرات

فرد عليه من الحبطات فقال:

أما كان عباد كفيا لدارم *** بلى وأبيات بها الحجرات

راجع: ديوان الفرزدق ص 99؛ وعيار الشعر ص 152؛ ووضح البرهان 2/121) ؛ لأنه أصابه ذلك، ثم سمي أولاده حبطات.

 حبك

- قال تعالى: }والسماء ذات الحبك{ [الذاريات/7]، هي ذات الطرائق فمن الناس من تصور منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرة، ومنهم من اعتبر ذلك بما فيه من الطرائق المعقولة المدركة بالبصيرة، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: }الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار{ [آل عمران/191]. وأصله من قولهم: بعير حبوك القرا (القرا: الظهر)، أي: محكمه، والاحتباك: شد الإزار.

 حبل

- الحبل معروف، قال عز وجل: }في جيدها حبل من مسد{ [المسد/5]، وشبه به من حيث الهيئة حبل الوريد وحبل العاتق، والحبل: المستطيل من الرمل، واستعير للوصل، ولكل ما يتوصل به إلى شيء. قال عز وجل: }واعتصموا بحبل الله جميعا{ [آل عمران/103]، فحلبه هو الذي معه التوصل به إليه من القرآن والعقل، وغير ذلك مما إذا اعتصمت به أداك إلى جواره، ويقال للعهد حبل، وقوله تعالى: }ضربت عليهم الذلة أينما ثفقوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس{ [آل عمران/112]، ففيه تنبيه أن الكافر يحتاج إلى عهدين:

- عهد من الله، وهو أن يكون من أهل كتاب أنزله الله تعالى، وإلا لم يقر على دينه، ولم يجعل له ذمة.

- وإلى عهد من الناس يبذلونه له والحبالة خصت بحبل الصائد، جمعها: حبائل، وروي (النساء حبائل الشيطان) (الحديث أخرجه أبو نعيم عن ابن مسعود، والديلمي عن عبد الله بن عامر وعقبة بن عامر، وقال ابن الفرس: الحديث حسن. راجع: كشف الخفاء 2/4؛ والفتح الكبير 2/181).

والمحتبل والحابل: صاحب الحبالة، وقيل وقع حابلهم على نابلهم (قال في اللسان: وفي المثل: ثار حابلهم على نابلهم أي: أوقدوا بينهم النشر. راجع: اللسان: وفي المثل: ثار حابلهم على نابلهم، أي أوقدوا بينهم الشر. راجع اللسان. (نبل)، والحبلة: اسم لما يجعل في القلادة.

 حتم

- الحتم: القضاء المقدر، والحاتم: الغراب الذي يحتم بالفراق فيما زعموا.

 حتى

- حتى حرف يجر به تارة كإلى، لكن يدخل الحد المذكور بعده في حكم ما قبله، ويعطف به تارة، ويستأنف به تارة، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، ورأسها، ورأسها قال تعالى: }ليسجننه حتى حين{ [يوسف/35]، و }حتى مطلع الفجر{ [القدر/5].

ويدخل على الفعل المضارع فينصب ويرفع، وفي كل واحد وجهان:

فأحد وجهي النصب: إلى أن.

والثاني: كي.

وأحد وجهي الرفع أن يكون الفعل قبله ماضيا، نحو: مشيت حتى أدخل البصرة، أي: مشيت فدخلت البصرة.

والثاني: يكون ما بعده حالا، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وقد قرئ: }حتى يقول الرسول{ [البقرة/214]، بالنصب والرفع (قرأ بالرفع نافع وحده، والباقون بالنصب)، وحمل في كل واحدة من القراءتين على الوجهين. وقيل: إن ما بعد (حتى) يقتضي أن يكون بخلاف ما قبله، نحو قوله تعالى: }ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا{ [النساء/43]، وقد يجيء ولا يكون كذلك نحو ما روي: (إن الله تعالى لا يمل حتى تملوا) (الحديث بهذا اللفظ أخرجه البزار عن أبي هريرة، وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي دخل عليها وعندها امرأة، قال: (من هذه) ؟ قالت: هذه فلانة، تذكر من صلاتها، قال: (مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا) وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. راجع: رياض الصالحين ص 104؛ وفتح الباري 3/31؛ ومسلم 785) لم يقصد أن يثبت ملالا لله تعالى بعد ملالهم (قال النووي: أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا).

حث

الحث: السرعة، قال الله تعالى: }يطلبه حثيثا{ [الأعراف/54].

 حج

- أصل الحج القصد للزيارة، قال الشاعر:

- 103 - يحجون بيت الزبرقان المعصفرا *** (هذا عجز بيت، وصدره:

وأشهد من عون حلولا كثيرة

وهو للمخبل السعدي، والبيت في المجمل 1/221؛ وأساس البلاغة ص 74؛ والمشوف المعلم 1/231)

خص في تعارف الشرع بقصد بيت الله تعالى إقامة للنسك، فقيل: الحج والحج، فالحج مصدر، والحج اسم، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، ويوم عرفة، وروي: (العمرة الحج الأصغر) (هذا مروي عن ابن عباس، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم قال: العمرة الحجة الصغرى.

وأخرج الشافعي في الأم عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم: (إن العمرة هي الحج الأصغر) راجع: الدر المنثور 1/504 - 505؛ وأخرجه ابن أبي شيبة 3/158).

والحجة: الدلالة المبينة للمحجة، أي: المقصد المستقيم الذي يقتضي صحة أحد النقيضين. قال تعالى: }قل فلله الحجة البالغة{ [الأنعام/149]، وقال: }لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا{ [البقرة/150]، فجعل ما يحتج بها الذين ظلموا مستثنى من الحجة وإن لم يكن حجة، وذلك كقول الشاعر:

- 104 - ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب (البيت للنابغة الذبياني من قصيدة له يمدح عمرو بن الحارث الأصغر وهو في ديوانه ص 11؛ والبصائر 2/432)

ويجوز أنه سمى ما يحتجون به حجة، كقوله تعالى: }والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم{ [الشورى/16]، فسمى الداحضة حجة، وقوله تعالى: }لا حجة بيننا وبينكم{ [الشورى/15]، أي: لا احتجاج لظهور البيان، والمحاجة: أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن حجته ومحجته، قال تعالى: }وحاجة قومه قال: أتحاجوني في الله{ [الأنعام/80]، }فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك{ [آل عمران/61] / وقال تعالى: }لم تحاجون في إبراهيم{ [آل عمران/65]، وقال تعالى: }ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم{ [آل عمران/66]، وقال تعالى: }وإذ يتحاجون في النار{ [غافر/47]، وسمي سبر الجراحة حجا، قال الشاعر:

- 105 - يحج مأمومة في قعرها لجف

(الشطر لعذار بن درة الطائي، وعجزه:

فاست الطبيب قذاها كالمغاريد

وهو في المجمل 1/221؛ والمعاني الكبير 2/977؛ واللسان: (حج) )

 حجب

- الحجب والحجاب: المنع من الوصول، يقال: حجبه حجبا وحجابا، وحجاب الجوف: ما يحجب عن الفؤاد، وقوله تعالى: }وبينهما حجاب{ [الأعراف/46]، ليس يعني به ما يحجب البصر، وإنما يعني ما يمنع من وصول لذة أهل الجنة إلى أهل النار، وأذية أهل النار إلى أهل الجنة، كقوله عز وجل: }فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهرة من قبله العذاب{ [الحديد/13]، وقال عز وجل: }وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب{ [الشورى/51]، أي: من حيث ما لا يراه مكلمه ومبلغه وقوله تعالى: }حتى توارت بالحجاب{ [ص/32]، يعني الشمس إذا استترت بالمغيب. والحاجب: المانع عن السلطان، والحاجبان في الرأس لكونهما كالحاجبين للعين في الذب عنهما. وحاجب الشمس سمي لتقدمه عليها تقدم الحاجب للسلطان، وقوله عز وجل: }كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون{ [المطففين/15]، إشارة إلى منع النور عنهم المشار إليه بقوله: }فضرب بينهم بسور{ [الحديد/13].

 حجر

- الحجر: الجوهر الصلب المعروف، وجمعه: أحجار وحجارة، وقوله تعالى: }وقودها الناس والحجارة{ [البقرة/24]، قيل: هي حجارة الكبريت (وهذا مروي عن ابن مسعود وابن عباس. راجع: الدر المنثور 1/90)، وقيل: بل الحجارة بعينها، ونبه بذلك على عظم حال تلك النار، وأنها مما توقد بالناس والحجارة خلاف نار الدنيا إذ هي لا يمكن أن توقد بالحجارة وإن كانت بعد الإيقاد قد تؤثر فيها، وقيل: أراد بالحجارة الذين هم في صلابتهم عن قبول الحق كالحجارة، كمن وصفهم بقوله: }فهي كالحجارة أو أشد قسوة{ [البقرة/74].

الحجر والتحجير: أن يجعل حول المكان حجارة، يقال: حجرته حجرا، فهو محجور، وحجرته تحجيرا فهو محجر، وسمى ما أحيط به الحجارة حجرا، وبه سمي حجر الكعبة وديار ثمود، قال تعالى: }كذب أصحاب الحجر المرسلين{ [الحجر/80]، وتصور من الحجر معنى المنع لما يحصل فيه، فقيل للعقل حجر، لكون الإنسان في منع منه مما تدعو إليه نفسه، وقال تعالى: }هل في ذلك لذي حجر{ [الفجر/5].

قال المبرد: يقال للأنثى من الفرس حجر، لكونها مشتملة على ما في بطنها من الولد.

والحجر: الممنوع منه بتحريمه، قال تعالى: }وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر{ [الأنعام/138]، }ويقولون حجرا محجورا{ [الفرقان/22]، كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك (وهذا مروي عن الحسن وقتادة، كما أخرجه عنهما عبد الرزاق وابن جرير، راجع: الدر المنثور 6/245؛ والمجمل 1/265)، فذكر تعالى أن الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك، ظنا أن ذلك ينفعهم، قال تعالى: }وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا{ [الفرقان/53]، أي: منعا لا سبيل إلى رفعه ودفعه، وفلان في حجر فلان، أي: في منع منه عن التصرف في ماله وكثير من أحواله، وجمعه: حجور، قال تعالى: }وربائبكم اللاتي في حجوركم{ [النساء/23]، وحجر القميص أيضا: اسم لما يجعل فيه الشيء فيمنع، وتصور من الحجر دورانه فقيل: حجرت عين الفرس: إذا وسمت حولها بميسم، وحجر القمر: صار حوله دائرة، والحجورة: لعبة للصبيان يخطون خطا مستديرا، ومحجر العين منه، وتحجر كذا: تصلب وصار كالأحجار، والأحجار: بطون من بني تميم، سموا بذلك لقوم منهم اسماؤهم جندل وحجر وصخر.

 حجز

- الحجز: المنع بين الشيئين بفاصل بينهما، يقال: حجز بينهما. قال عز وجل: }وجعل بين البحرين حاجزا{ [النمل/61]، والحجاز سمي بذلك لكونه حاجزا بين الشام والبادية، قال تعالى: }فما منكم من أحد عنه حاجزين{ [الحاقة/47]، فقوله: }حاجزين{ صفة لأحد في موضع الجمع، والحجاز حبل يشد من حقو البعير إلى رسغه، وتصور منه معنى الجمعن فقيل: احتجز فلان عن كذا واحتجز بإزاره، ومنه: حجزة السراويل، وقيل: إن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة (انظر: أساس البلاغة (حجز) ص 74؛ والبصائر 2/436)، أي: الممانعة قبل المحاربة، وقيل: حجازيك، أي: احجز بينهم.

 حد

- الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يقال: حددت كذا: جعلت له حدا يميز، وحد الدار: ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره، وحد الزنا والخمر سمي به لكونه مانعا لمتعاطيه من معاوده مثله، ومانعا لغيره أن يسلك مسلكه، قال الله تعالى: }وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله{ [الطلاق/1]، وقال تعالى: }تلك حدود الله فلا تعتدوها{ [البقرة/229]، وقال: }الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله{ [التوبة/97]، أي: أحكامه، وقيل: حقائق معانيه، وجميع حدود الله على أربعة أوجه:

- إما شيء لا يجوز أن يتعدى بالزيادة عليه ولا القصور عنه، كأعداد ركعات صلاة الفرض.

- وإما شيء تجوز الزيادة عليه ولا يجوز النقصان عنه (وذلك كالزكاة).

- وإما شيء يجوز النقصان عنه ولا تجوز الزيادة عليه (مثل مرات الوضوء، والتزوج بأربع فما دونها).

- وإما شيء يجوز كلاهما (كصلاة النفل المقيدة، مثل الضحى، فإنها ثمان، فتجوز الزيادة عليها والنقصان منها. وهذه الزيادة ليست في المخطوطة.

ذكر الراغب أن الحدود أربعة أوجه، وحين عدها ذكر ثلاثة فقط، وفي هامش إحدى مخطوطات الراغب: (وإما شيء يجوز كلاهما)، قال السمين: والراغب قال هي أربعة، ولم يذكر إلا ثلاثة، ولم يمثل إلا للأول. قال: والرابع: قسم بعكسه كالزكاة. أه. أي: بعكس).

وقوله تعالى: }إن الذين يحادون الله ورسوله{ [المجادلة/5]، أي: يمانعون، فذلك إما اعتبارا بالممانعة وإما باستعمال الحديد. والحديد معروف، قال عز وجل: }وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد{ [الحديد/25]، وحددت السكين: رققت حده، وأحددته: جعلت له حدا، ثم يقال لكل ما دق في نفسه من حيث الخلقة أو من حيث المعنى كالبصر والبصيرة حديد، فيقال: هو حديد النظر، وحديد الفهم، قال عز وجل: }فبصرك اليوم حديد{ [ق/22]، ويقال: لسان حديد، نحو: لسان صارم، وماض، وذلك إذا كان يؤثر تأثير الحديد، قال تعالى: : }سلقوكم بألسنة حداد{ [الأحزاب/19]، ولتصور المنع سمي البواب حدادا، وقيل: رجل محدود: ممنوع الرزق والحظ.

 حدب

- يجوز أن يكون الأصل في الحدب حدب الظهر، يقال: حدب (راجع: الأفعال 1/407) الرجل حدبا، فهو أحدب، واحدودب. وناقة حدباء تشبيها به، ثم شبه به ما ارتفع من ظهر الأرض، فسمي حدبا، قال تعالى: }وهم من كل حدب ينسلون{ [الأنبياء/96].

 حدث

- الحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن، عرضا كان ذلك أو جوهرا، وإحداثه: إيجاده.

وإحداث الجواهر ليس إلا لله تعالى، والمحدث: ما أوجد بعد أن لم يكن، وذلك إما في ذاته، أو إحداثه عند من حصل عنده، نحو: أحدثت ملكا، قال تعالى: }ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث{ [الأنبياء/2]، ويقال لكل ما قرب عهده محدث، فعلا كان أو مقالا. قال تعالى: }حتى أحدث لك منه ذكرا{ [الكهف/70]، وقال: }لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا{ [الطلاق/1]، وكل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث، قال عز وجل: }وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا{ [التحريم/3]، وقال تعالى: }هل أتاك حديث الغاشية{ [الغاشية/1]، وقال عز وجل: }وعلمتني من تأويل الأحاديث{ [يوسف/101]، أي: ما يحدث به الإنسان في نومه، وسمى تعالى كتابه حديثا فقال: }فليأتوا بحديث مثله{ [الطور/34]، وقال تعالى: }أفمن هذا الحديث تعجبون{ [النجم/59]، وقال: }فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا{ [النساء/78]، وقال تعالى: }حتى يخوضوا في حديث غيره{ [الأنعام/68]، }فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون{ [الجاثية/6]، وقال تعالى: }ومن أصدق من الله حديثا{ [النساء/87]، وقال عليه السلام: (إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر) (الحديث صحيح متفق عليه.

عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر).

انظر: البخاري 7/40؛ ومسلم 2398؛ وانظر: رياض الصالحين ص 564؛ وأخرجه أحمد 2/139).

وإنما يعني من يلقى في روعه من جهة الملأ الأعلى شيء (انظر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص 59)، وقوله عز وجل: }فجعلناهم أحاديث{ [سبأ/19]، أي: أخبار يتمثل بهم، والحديث: الطري من الثمار، ورجل حدث: حسن الحديث، وهو حدث النساء، أي: محادثهن، وحادثته وحدثته وتحادثوا، وصار أحدوثة، ورجل حدث وحديث السن بمعنى، والحادثة: النازلة العارضة، وجمعها حوادث.

 حدق

- }حدائق ذات بهجة{ [النمل/60]، جمع حديقة، وهي قطعة من الأرض ذات ماء، سميت تشبيها بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها، وجمع الحدقة حداق وأحداق، وحدق تحديقا: شدد النظر، وحدقوا به وأحدقوا: أحاطوا به، تشبيها بإدارة الحدقة.

 حذر

- الحذر: احتراز من مخيف، يقال: حذر حذرا، وحذرته، قال عز وجل: }يحذر الآخرة{ [الزمر/9]، وقرئ: }وإنا لجميع حذرون{، و }حاذرون{ (سورة الشعراء: آية 56. وقرأ }حاذرون{ ابن ذكوان وهشام من طريق الدجواني، وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون }حذرون{. راجع: الإتحاف ص 232)، وقال تعالى: }