- الهبوط: الانحدار على سبيل
القهر كهبوط الحجر، والهبوط بالفتح: المنحدر. يقال: هبطت أنا، وهبطت غيري، يكون
اللازم والمتعدي على لفظ واحد. قال تعالى: }وإن منها لما يهبط من خشية
الله{ [البقرة/74] يقال: هبطت وهبطته هبطا، وإذا استعمل في الإنسان الهبوط
فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الإنزال، فإن الإنزال ذكره تعالى في الأشياء التي نبه
على شرفها، كإنزال الملائكة والقرآن والمطر وغير ذلك. والهبوط ذكر حيث نبه على
الغض نحو: }وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو{
[البقرة/36]، }فاهبط منها فما يكون لك أن
تتكبر فيها{ [الأعراف/13]، }اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم{
[البقرة/61] وليس في قوله: }فإن لكم ما سألتم{
[البقرة/ 61] تعظيم وتشريف، ألا ترى أنه تعالى قال: }وضربت عليهم الذلة والمسكنة
وباؤا بغضب من الله{ [البقرة/61]، وقال جل ذكره: }قلنا اهبطوا منها جميعا{
[البقرة/38] ويقال: هبط المرض لحم العليل: حطه عنه، والهبيط: الضامر من النوق
وغيرها إذا كان ضمره من سوء غذاء، وقلة تفقد.
- هبا الغبار يهبو: ثار وسطع،
والهبوة كالغبرة، والهباء: دقاق التراب وما نبت في الهواء فلا يبدو إلا في أثنا
ضوء الشمس في الكوة. قال تعالى: }فجعلناه هباء منثورا{
[الفرقان/23]، }فكانت هباء منبثا{
[الواقعة/6].
- الهجود: النوم، والهاجد:
النائم، وهجدته فتهجد: أزلت هجوده نحو: مرضته. ومعناه: أيقظته فتيقظ، وقوله: }ومن الليل فتهجد به{
[الإسراء/79] أي: تيقظ بالقرآن، وذلك حث على إقامة الصلاة في الليل المذكور في قوله:
}قم الليل إلا قليلا *
نصفه{ [المزمل/2 - 3] والمتهجد: المصلى ليلا، وأهجد البعير: ألقى جرانه
على الأرض متحريا للهجود.
- الهجر والهجران: مفارقة
الإنسان غيره؛ إما بالبدن؛ أو باللسان؛ أو بالقلب. قال تعالى: }واهجروهن في المضاجع{
[النساء/34] كناية عن عدم قربهن، وقوله تعالى: }إن قومي اتخذوا هذا القرآن
مهجورا{ [الفرقان/30] فهذا هجر بالقلب، أو بالقلب واللسان. وقوله: }واهجرهم هجرا جميلا{
[المزمل/10] يحتمل الثلاثة، ومدعو إلى أن يتحرى أي الثلاثة إن أمكنه مع تحري
المجاملة، وكذا قوله تعالى: }واهجرني مليا{
[مريم/46]، وقوله تعالى: }والرجز فاهجر{
[المدثر/5]، فحث على المفارقة بالوجوه كلها.
والمهاجرة في الأصل: مصارمة
الغير ومتاركته؛ من قوله عز وجل: }والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا{
[الأنفال/74]، وقوله: }للفقراء المهاجرين الذين
أخرجوا من ديارهم وأموالهم{ [الحشر/8]، وقوله: }ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى
الله{ [النساء/100]، }فلا تتخذوا منهم أولياء حتى
يهاجروا في سبيل الله{ [النساء/89] فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن
هاجر من مكة إلى المدينة، وقيل: مقتضى ذلك هجران الشهوات والأخلاق الذميمة
والخطايا وتركها ورفضها، وقوله: }إني مهاجر إلى ربي{
[العنكبوت /26] أي: تارك لقومي وذاهب إليه. وقوله: }ألم تكن أرض الله واسعة
فتهاجروا فيها{ [النساء/97]، وكذا المجاهدة تقتضي مع العدى مجاهدة النفس كما روي
في الخبر: (رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) (عن جابر قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قال
العراقي: رواه البيهقي في الزهد، وفيه ضعف.
انظر: تخريج أحاديث الإحياء
4/1537 والزهد للبيهقي ص 165)، وهو مجاهدة النفس. وروي: (هاجروا ولا تهجروا) (هذا
من حديث عمر فإنه قال: (هاجروا ولا تهجروا، واتقوا الأرنب أن يحذفها أحدكم بالعصا،
ولكن ليذك لكم الأسل الرماح والنبل). انظر: غريب الحديث 3/310؛ والنهاية 5/245)
أي: كونوا من المهاجرين، ولا تتشبهوا بهم في القول دون الفعل، والهجر: الكلام
القبيح المهجور لقبحه. وفي الحديث: (ولا تقولوا هجرا) (شطر الحديث: عن أبي سعيد
الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد ثلاث،
فكلوا وتصدقوا وادخروا، ونهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن
زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا) أخرجه مالك في الموطأ، باب ادخار لحوم الأضاحي.
انظر: شرح الزرقاني 3/76. وأخرجه الطبراني في الأوسط 3/343) وأهجر فلان: إذا أتى
بهجر من الكلام عن قصد، وهجر المريض: إذا أتى ذلك من غير قصد، وقرئ: }مستكبرين به سارما تهجرون{
[المؤمنون/67] (وبها قرأ نافع)، وقد يشبه المبالغ في الهجر بالمهجر، فيقال: أهجر:
إذا قصد ذلك، قال الشاعر:
- 464 - كما جدة الأعراق قال
ابن ضرة * عليها كلاما جار فيه وأهجرا
(البيت للشماخ من قصيدة
مطلعها:
أتعرف رسما دارسا قد تغيرا *
بذروة أقوى بعد ليلى وأقفر
وهو في ديوانه ص 135؛ والمجمل
4/899؛ وفصل المقال ص 24)
الشاعر:
ورماه بهاجرات فمه أي: فضائح
كلامه، وقوله: فلان هجيراه كذا: إذا أولع بذكره، وهذي به هذيان المريض المهجر، ولا
يكاد يستعمل الهجير إلا في العادة الذميمة اللهم إلا أن يستعمله في ضده من لا
يراعي مورد هذه الكلمة عن العرب. والهجير والهاجرة: الساعة التي يمتنع فيها من
السير كالحر؛ كأنها هجرت الناس وهجرت لذلك، والهجار: حبل يشد به الفحل، فيصير سببا
لهجرانه الإبل، وجعل على بناء العقال والزمام، وفحل مهجور، أي: مشدود به، وهجار
القوس: وترها، وذلك تشبيه بهجار الفحل.
- الهجوع: النوم ليلا. قال
تعالى: }كانوا قليلا من الليل ما
يهجعون{ [الذاريات/17] وذلك يصح أن يكون معناه: كان هجوعهم قليلا من أوقات
الليل، ويجوز أن يكون معناه: لم يكونوا يهجعون. والقليل يعبر به عن النفي والمشارف
لنفيه لقلته، ولقيته بعد هجعه. أي: بعد نومه، وقولهم: رجل هجع كقولك: نوم للمستنيم
إلى كل شيء.
- الهد: هدم له وقع، وسقوط
شيء ثقيل، والهدة: صوت وقعه. قال تعالى: }وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا{
[مريم/90] وهددت البقرة: إذا أوقعتها للذبح، والهد: المهدود كالذبح للمذبوح، ويعبر
به عن الضعيف والجبان، وقيل: مررت برجل هدك من رجل (انظر المجمل 4/890)، كقولك:
حسبك، وتحقيقه: يهدك ويزعجك وجود مثله، وهددت فلانا وتهددته: إذا زعزعته بالوعيد،
والهدهدة: تحريك الصبي لينام، والهدهد: طائر معروف. قال تعالى: }مالي لا أرى الهدهد{
[النمل/20] وجمعه: هداهد، والهداهد بالضم واحد، قال الشاعر:
- 465 - كهداهد كسر الرماة
جناحه * يدعو بقارعة الطريق هديلا
(البيت للراعي من قصيدة عدتها
اثنان وتسعون بيتا، ومطلعها:
ما بال دفك بالفراش مذيلا *
أقذى بعينك أم أردت رحيلا
وهو في ديوانه ص 238؛
والجمهرة 3/394؛ والمعاني الكبير 1/297؛ واللسان (هدد) )
- الهدم: إسقاط البناء. يقال:
هدمته هدما. والهدم: ما يهدم، ومنه استعير: دم هدم. أي: هدر، والهدم بالكسر كذلك
لكن اختص بالثوب البالي، وجمعه: أهدام، وهدمت البناء على التكثير. قال تعالى: }لهدمت صوامع{
[الحج/40].
- الهداية دلالة بلطف، ومنه:
الهدية، وهوادي الوحش. أي: متقدماتها الهادية لغيرها، وخص ما كان دلالة بهديت، وما
كان إعطاء بأهديت. نحو: أهديت الهدية، وهديت إلى البيت. إن قيل: كيف جعلت الهداية
دلالة بلطف وقد قال الله تعالى: }فاهدوهم إلى صراط الجحيم{
[الصافات/23]، }ويهديه إلى عذاب السعير{
[الحج/4]. قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللفظ على التهكم مبالغة في المعنى كقوله: }فبشرهم بعذاب أليم{ [آل
عمران/21] وقول الشاعر:
- 466 - تحية بينهم ضرب وجيع
(العجز لعمرو بن معد يكرب؛
وشطره:
[وخيل قد دلفت لها بخيل]
وهو في ديوانه ص 149؛ وشرح
أبيات سيبويه 2/200؛ والمقتضب 2/20؛ وتفسير الطبري 1/310)
وهداية الله تعالى للإنسان
على أربعة أوجه:
الأول: الهداية التي عم
بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعم منها كل شيء بقدر
فيه حسب احتماله كما قال: }ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه
ثم هدى{ [طه/50].
الثاني: الهداية التي جعل
للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود
بقوله تعالى: }وجعلنا منهم أئمة يهدون
بأمرنا{ [الأنبياء/73].
الثالث: التوفيق الذي يختص به
من اهتدى، وهو المعني بقوله تعالى: }والذين اهتدوا زادهم هدى{
[محمد/17]، وقوله: }ومن يؤمن بالله يهد قلبه{
[التغابن/ 11]، وقوله: }إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم{ [يونس/9]، وقوله: }والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
سبلنا{ [العنكبوت/69]، }ويزيد الله الذين اهتدوا هدى{
[مريم/76]، }فهدى الله الذين آمنوا{
[البقرة/213]، }والله يهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم{ [البقرة/ 213].
الرابع:الهداية في الآخرة إلى
الجنة المعني بقوله: }سيهديهم ويصلح بالهم{
[محمد/5]، }ونزعنا ما في صدورهم من غل{
[الأعراف/43] إلى قوله: }الحمد لله الذي هدانا لهذا{
(الآية: }ونزعنا ما في صدورهم من غل
تجري من تحتهم الأنهار، وقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا{ ).
وهذه الهدايات الأربع مترتبة؛
فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له
الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي
قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله (قد نقل ابن القيم هذه الهدايات
الأربع في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلا: بدائع الفوائد 2/35 - 37).
ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى
ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلا بالدعاء
وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأول أشار بقوله: }وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم{
[الشورى/52]، }يهدون بأمرنا{
[السجدة/24]، }ولكل قوم هاد{
[الرعد/7] أي: داع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: }إنك لا تهدي من أحببت{
[القصص/56] وكل هداية ذكر الله عز وجل أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية
الثالثة، وهي التوفيق الذي يختص به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة،
وإدخال الجنة.
نحو قوله عز وجل: }كيف يهدي الله قوما{ إلى
قوله: }والله لا يهدي القوم الظالمين{
(الآية: }كيف يهدي الله قوما كفروا بعد
إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات من ربهم والله لا يهدي القوم الظالمين{ ) [آل
عمران/86] وكفوله: }ذلك بأنهم استحبوا الحياة
الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين{ [النحل/107] وكل هداية نفاها الله عن النبي صلى الله عليه وسلم
وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها فهي ما عدا المختص من الدعاء وتعريف
الطريق، وذلك كإعطاء العقل، والتوفيق، وإدخال الجنة، كقوله عز ذكره: }ليس عليك هداهم ولكن الله
يهدي من يشاء{ [البقرة/272]، }ولو شاء الله لجمعهم على
الهدى{ [الأنعام/35]، }وما أنت بهاد العمي عن
ضلالتهم{ [النمل/81]، }إن تحرص على هداهم فإن الله
لا يهدي من يضل{ [النحل/37]، }ومن يضلل الله فما له من هاد{
[الزمر/36]، }ومن يهد الله فما له من مضل{
[الزمر/ 37]، }إنك لا تهدي من أحببت ولكن
الله يهدي من يشاء{ [القصص/56] وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: }أفأنت تكره الناس حتى يكونوا
مؤمنين{ [يونس/99]، وقوله: }من يهد الله فهو المهتد{
[الإسراء/97]، أي: طالب: الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من
ضاده، فيتحرى طريق الضلال والكفر كقوله: }والله لا يهدي القوم الكافرين{
[التوبة/ 37]، وفي أخرى }الظالمين{
[التوبة/109]، وقوله: }إن الله لا يهدي من هو كاذب
كفار{ [الزمر/3] الكاذب الكفار: هو الذي لا يقبل هدايته؛ فإن ذلك راجع
إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعا لذلك، ومن لم يقبل هدايته لم يهده، كقولك: من لم
يقبل هديتي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيتي لم أعطه، ومن رغب عني لم أرغب فيه، وعلى
هذا النحو: }والله لا يهدي القوم الظالمين{
[التوبة/109] وفي أخرى: }الفاسقين{
[التوبة/80] وقوله: }أفمن يهدي إلى الحق أحق أن
يتبع أمن لا يهدي إلا إن يهدى{ [يونس/35]، وقد قرئ: }يهدي إلا أن يهدى{ (قرأ
حمزة والكسائي وخلف يهدي) أي: لا يهدي غيره ولكن يهدي.
أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي
لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد؛ لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللفظ أنه
إذا هدي اهتدى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: }إن الذين تدعون من دون الله
عباد أمثالكم{ [الأعراف/194] وإنما هي أموات، وقال في موضع آخر: }ويعبدون من دون الله ما لا
يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون{ [النحل/73]، وقوله عز وجل: }إنا هديناه السبيل{
[الإنسان/3]، }وهديناه النجدين{
[البلد/10]، }وهديناهما الصراط المستقيم{
[الصافات/118] فذلك إشارة إلى ما عرف من طريق الخير والشر (مجاز القرآن 2/299)،
وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: }فريقا هدى وفريقا حق عليهم
الضلالة{ [الأعراف/30]، }إنك لا تهدي من أحببت ولكن
الله يهدي من يشاء{ [القصص/56]، }ومن يؤمن بالله يهد قلبه{
[التغابن/11] فهو إشارة إلى التوفيق الملقى في الروع فيما يتحراه الإنسان وإياه
عنى بقوله عز وجل: }والذين اهتدوا زادهم هدى{
[محمد/17] وعدي الهداية في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بإلى، قال
تعالى: }ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى
صراط مستقيم{ [آل عمران/101]، }واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
مستقيم{ [الأنعام/87] وقال: }أفمن يهدي إلى الحق أحق أن
يتبع{ [يونس/35] وقال: }هل لك إلى أن تزكى *
وأهديك إلى ربك فتخشى{ [النازعات/18 - 19].
وما عدي بنفسه نحو: }ولهديناهم صراطا مستقيما{
[النساء/68]، }وهديناهما الصراط المستقيم{
[الصافات/ 118]، }اهدنا الصراط المستقيم{
[الفاتحة/6]، }أتريدون أن تهدوا من أضل الله{
[النساء/88]، }ولا ليهديهم طريقا{
[النساء/168]، }أفأنت تهدي العمي{
[يونس/43]، }ويهديهم إليه صراطا مستقيما{
[النساء/175].
ولما كانت الهداية والتعليم
يقتضي شيئين: تعريفا من المعرف، وتعريف من المعرف، وبهما تم الهداية والتعليم فإنه
متى حصل البذل من الهادي والمعلم ولم يحصل القبول صح أن يقال: لم يهد ولم يعلم
اعتبارا بعدم القبول، وصح أن يقال: لم يهد ولم يعلم اعتبارا بعدم القول، وصح كذلك
صح أن يقال: إن الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول
الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصح أنه يقال: هداهم وعلمهم من حيث إنه حصل البذل
الذي هو مبدأ الهداية. فعلى الاعتبار بالأول يصح أن يحمل قوله تعالى: }والله لا يهدي القوم الظالمين{
[التوبة/109]، }والكافرين{
[التوبة/37] وعلى الثاني قوله عز وجل: }وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا
العمى على الهدى{ [فصلت/17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله
فلم يهتد، كقوله: }وأما ثمود{ الآية،
وقوله: }لله المشرق والمغرب يهدي من
يشاء{ إلى قوله: }وإن كانت لكبيرة إلا على
الذين هدى الله{ (الآيتان: }لله المشرق والمغرب يهدي من
يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كانت عليها إلا لنعلم من
يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله{ )
[البقرة/142 - 143] فهم الذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: }اهدنا الصراط المستقيم{
[الفاتحة/6]، }ولهديناهم صراطا مستقيما{
[النساء/68] فقد قيل: عني به الهداية العامة التي هي العقل، وسنة الأنبياء، وأمرنا
أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهم
صلى على محمد وإن كان قد صلى عليه بقوله: }إن الله وملائكته يصلون على
النبي{ [الأحزاب/56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة
واستهواء الشهوات، وقيل: هو سؤال للتوفيق الموعود به في قوله: }والذين اهتدوا زادهم هدى{
[محمد/17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنة في الآخرة، وقوله عز وجل: }وإن كانت لكبيرة إلا على
الذين هدى الله{ [البقرة/143] فإنه يعني به من هداه بالتوفيق المذكور في قوله
عزوجل: }والذين اهتدوا زادهم هدى{.
والهدى والهداية في موضوع اللغة واحد لكن قد خص الله عز وجل لفظه الهدى بما تولاه وأعطاه، واختص هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: }هدى للمتقين{ [البقرة/2]، }أولئك على هدى من ربهم{ [البقرة/5]، }هدى للناس{ [البقرة/185]، }فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي{ [البقرة/38]، }قل إن هدى الله هو الهدى{ [الأنعام/71]، }وهدى وموعظة للمتقين