كتاب القاف

 قبح

- القبيح: ما ينبو عنه البصر من الأعيان، وما تنبو عنه النفس من الأعمال والأحوال، وقد قبح قباحة فهو قبيح، وقوله تعالى: }من المقبوحين{ [القصص /42]، أي: من الموسومين بحالة منكرة، وذلك إشارة إلى ما وصف الله تعالى به الكفار من الرجاسة والنجاسة إلى غير ذلك من الصفات، وما وصفهم به يوم القيامة من سواد الوجوه، وزرقة العيون، وسحبهم بالأغلال والسلاسل ونحو ذلك. يقال: قبحه الله عن الخير، أي: نحاه، ويقال لعظم الساعد، مما يلي النصف منه إلى المرفق: قبيح (انظر الغريب المصنف ورقة 4 نسخة الظاهرية).

 قبر

- القبر: مقر الميت، ومصدر قبرته: جعلته في القبر، وأقبرته: جعلت له مكانا يقبر فيه. نحو: أسقيته: جعلت له ما يسقى منه. قال تعالى: }ثم أماته فأقبره{ [عبس/21]، قيل: معناه ألهم كيف يدفن، والمقبرة والمقبرة موضع القبور، وجمعها: مقابرا. قال: }حتى زرتم المقابر{ [التكاثر/2]، كناية عن الموت. وقوله: }إذا بعثر ما في القبور{ [العاديات/9]، إشارة إلى حال البعث. وقيل: إشارة إلى حين كشف السرائر؛ فإن أحوال الإنسان ما دام في الدنيا مستورة كأنها مقبورة، فتكون القبور على طريق الاستعارة، وقيل: معناه إذا زالت الجهالة بالموت، فكأن الكافر والجاهل ما دام في الدنيا فهو مقبور، فإذا مات فقد أنشر وأخرج من قبره. أي: من جهالته، وذلك حسبما روي: (الإنسان نائم فإذا مات انتبه) (الرواية المعروفة: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا). قال الملا علي قاري: هو من قول علي كرم الله وجهه. انظر: الموضوعا الكبرى ص 250) وإلى هذا المعنى أشار بقوله: }وما أنت بمسمع من في القبور{ [فاطر/22]، أي: الذين هم في حكم الأموات.

 قبس

- القبس: المتناول من الشعلة، قال: }أو آتيكم بشهاب قبس{ [النمل/7]، والقبس والاقتباس: طلب ذلك، ثم يستعار لطلب العلم والهداية. قال: }انظرونا نقتبس من نوركم{ [الحديد/13]. وأقبسته نارا أو علما: أعطيته، والقبيس: فحل سريع الإلقاح تشبيها بالنار في السرعة.

 قبص

- القبص: التناول بأطراف الأصابع، والمتناول بها يقال له: القبص والقبيصة، ويعبر عن القليل بالقبيص وقرئ: (فقبصت قبصة) (سورة طه: آية 96. وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن الزبير وأبو العالية وقتادة) والقبوص: الفرس الذي لا يمس في عدوه الأرض إلا بسنابكه، وذلك استعارة كاستعارة القبص له في العدو.

 قبض

- القبض: تناول الشيء بجميع الكف. نحو قبض السيف وغيره. قال تعالى: }فقبضت فبضة{ [طه/96]، فقبض اليد على الشيء جمعها بعد تناوله، وقبضها عن الشيء جمعها قبل تناوله، وذلك إمساك عنه، ومنه قيل لإمساك اليد عن البذل. قبض. قال: }يقبضون أيديهم{ [التوبة/67]، أي: يمتنعون من الإنفاق، ويستعار القبض لتحصيل الشيء وإن لم يكن فيه مراعاة الكف، كقولك: قبضت الدار من فلان، أي: حزتها. قال تعالى: }والأرض جميعا قبضته يوم القيامة{ [الزمر/67]، أي: في حوزه حيث لا تمليك لأحد. وقوله: }ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا{ [الفرقان/46]، فإشارة إلى نسخ الظل الشمس. ويستعار القبض للعدو؛ لتصور الذي يعدو بصورة المتناول من الأرض شيئا، وقوله: }يقبض ويبسط{ [البقرة/245]، أي: يسلب تارة ويعطي تارة، أو يسلب قوما ويعطي قوما، أو يجمع مرة ويفرق أخرى، أو يميت ويحيي، وقد يكنى بالقبض عن الموت، فيقال: قبضة الله، وعلى هذا النحو قوله عليه الصلاة والسلام: (ما من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن) (الحديث عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه). أخرجه أحمد 4/182، وإسناده صحيح) أي: الله قادر على تصريف أشرف جزء منه، فكيف ما دونه، وقيل: راع قبضة: يجمع الإبل (يقال: راع قبضة: إذا كان منقبضا لا يتفسح في رعي غنمه. انظر: الجمهرة 1/303؛ والمجمل 3/741)، والانقباض: جمع الأطراف، ويستعمل في ترك التبسط.

 قبل

- قبل يستعمل في التقدم المتصل والمنفصل، ويضاده بعد، وقيل: يستعملان في التقدم المتصل، ويضادهما دبر ودبر. هذا في الأصل وإن كان قد يتجوز في كل واحد منهما. (فقبل) يستعمل على أوجه:

الأول: في المكان بحسب الإضافة، فيقول الخارج من أصبهان إلى مكة: بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكة إلى أصبهان: الكوفة قبل بغداد.

الثاني: في الزمان نحو: زمان عبد الملك قبل المنصور، قال: }فلم تقتلون أنبياء من قبل{ [البقرة/91].

الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجاج.

الرابع: في الترتيب الصناعي. نحو تعلم الهجاء قبل تعلم الخط، وقوله: }ما آمنت قبلهم من قرية{ [الأنبياء/6]، وقوله: }قبل طلوع الشمس وقبل غروبها{ [طه/130]، }قبل أن تقوم من مقامك{ [النمل/39]، }أوتوا الكتاب من قبل{ [الحديد/16]، فكل إشارة إلى التقدم الزماني. والقبل والدبر يكنى بهما عن السوأتين، والإقبال: التوجه نحو القبل، كالاستقبال. قال تعالى: }فأقبل بعضهم{ [الصافات/50]، }وأقبلوا عليهم{ [يوسف/71]، }فأقبلت امرأته{ [الذاريات/29]، والقابل: الذي يستقبل الدلو من البئر فيأخذه، والقابلة: التي تقبل الولد عند الولادة، وقبلت عذره وتوبته وغيره، وتقبلته كذلك. قال: }ولا يقبل منها عدل{ [البقرة/123]، }وقابل التوب{ [غافر/3]، }وهو الذي يقبل التوبة عن عباده{ [الشورى/25]. والتقبل: قبول الشيء على وجه يقتضي ثوابا كالهدية ونحوها. قال تعالى: }أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا{ [الأحقاف/16]، وقوله: }إنما يتقبل الله من المتقين{ [المائدة/27]، تنبيه أن ليس كل عبادة متقبلة، بل إنما يتقبل إذا كان على وجه مخصوص. قال تعالى: }إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني{ [آل عمران/35]. وقيل للكفالة: قبالة فإن الكفالة هي أوكد تقبل، وقوله: }فتقبل مني{ [آل عمران /35]، فباعتبار معنى الكفالة، وسمي العهد المكتوبك قبالة، وقوله: }فتقبلها{ [آل عمران/37]، قيل: معناه قبلها، وقيل: معناه تكفل بها، ويقول الله تعالى: كلفتني أعظم كفالة في الحقيقة وإنما قيل: }فتقبلها ربها بقبول{ [آل عمران/37]، ولم يقل بتقبل للجمع بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة (انظر: البصائر 4/235). وقيل: القبول هو من قولهم: فلان عليه قبول: إذا أحبه من رآه، وقوله: }كل شيء قبلا{ [الأنعام/11] (هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وعاصم. انظر: الإتحاف ص 215) قيل: هو جمع قابل، ومعناه: مقابل لحواسهم، وكذلك قال مجاهد: جماعة جماعة (انظر: البصائر 4/235؛ والدر المنثور 3/341)، فيكون جمع قبيل، وكذلك قوله: }أو يأتيهم العذاب قبلا{ [الكهف/55] ومن قرأ: }قبلا{ (وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. انظر: الإتحاف ص 215) فمعناه: عيانا (قال شيخنا أحمد بن محمد حامد الحسين الشنقيطي:

وجا قبل وفق اقتدار، وقد أتى * لردف عيان لكن القاف تكسر

وفي النوع فاضمم قافه جامعا له * وذلك في الصاوي إذا كنت تنظر).

والقبيل: جمع قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض. قال تعالى: }وجعلناكم شعوبا وقبائل{ [الحجرات/13]، }والملائكة قبيلا{ [الإسراء/92]، أي: جماعة جماعة. وقيل: معناه كفيلا. من قولهم: قبلت فلانا وتقبلت به، أي: تكفلت به، وقيل مقابلة، أي معاينة، ويقال: فلان لا يعرف قبيلا من دبير (انظر: أساس البلاغة (دبر) ؛ واللسان (دبر) )، أي: ما أقبلت به المرأة من غزلها وما أدبرت به. والمقابلة والتقابل: أن يقبل بعضهم على بعض؛ إما بالذات؛ وإما بالعناية والتوفر والمودة. قال تعالى: }متكئين عليها متقابلين{ [الواقعة/16]، }إخوانا على سرر متقابلين{ [الحجر/ 47]، ولي قبل فلان كذا، كقولك عنده. قال تعالى: }ةجاء فرعون ومن قبله{ (وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. الإتحاف ص 422) [الحاقة/9]، }فما للذين كفروا قبلك مهطعين{ [المعارج/36]، ويستعار ذلك للقوة والقدرة على المقابلة، أي: المجازاة، فيقال: لا قبل لي بكذا، أي: لايمكنني أن أقابله، قال: }فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها{ [النمل/37]، أي: لا طاقة لهم على استقبالها ودفاعها، والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل نحو: الجلسة والقعدة، وفي التعارف صار اسما للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة. نحو: }فلنولينك قبلة ترضاها{ [البقرة/144]، والقبول: ريح الصبا، وتسميتها بذلك لاستقبالها القبلة، وقبيلة الرأس: موصل الشؤن. وشاة مقابلة: قطع من قبل أذنها، وقبال النعل زمامها، وقد قابلتها: جعلت لها قبالا، والقبل: الفحج (وهو تباعد ما بين الرجلين. انظر: المجمل 3/742)، والقبلة: خرزة يزعم الساحر أنه يقبل بالإنسان على وجه الآخر، ومنه: القبلة، وجمعها قبل، وقبلته تقبيلا.

 قتر

- القتر: تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان، قال تعالى: }والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما{ [الفرقان/67]. ورجل قتور ومقتر، وقوله: }وكان الإنسان قتورا{ [الإسراء/100]، تنبيه على ما جبل عليه الإنسان من البخل، كقوله: }وأحضرت الأنفس الشح{ [النساء/128]، وقد قترت الشيء وأقترته وقترته، أي: قللته. ومقتر: فقير، قال: }وعلى المقتر قدره{ [البقرة/236]، وأصل ذلك من القتار والقتر، وهو الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما، فكأن المقتر والمقتر يتناول من الشيء قتاره، وقوله: }ترهقها قترة{ [عبس/41]، نحو: }غبرة{ (الآية: }ووجوه يومئذ عليها غبرة{ سورة عبس: آية 40) وذلك شبه دخان يغشى الوجه من الكذب. والقترة: ناموس الصائد الحافظ لقتار الإنسان، أي: الريح؛ لأن الصائد يجتهد أن يخفي ريحه عن الصيد لئلا يند، ورجل قاتر: ضعيف كأنه قتر في الخفة كقوله: هو هباء، وابن قترة: حية صغيرة خفيفة، والقتير: رؤوس مسامير الدرع.

 قتل

- أصل القتل: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت. قال تعالى: }أفإن مات أو قتل{ [آل عمران/144]، وقوله: }فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم{ [الأنفال/17]، }قتل الإنسان{ [عبس/17]، وقيل قوله: }قتل الخراصون{ [الذاريات/10]، لفظ قتل دعاء عليهم، وهو من الله تعالى: إيجاد ذلك، وقوله: }فاقتلوا أنفسكم{ [البقرة/54]، قيل معناه: ليقتل بعضكم بعضا. وقيل: عني بقتل النفس إماطة الشهوات، وعنه استعير على سبيل المبالغة: قتلت الخمر بالماء: إذا مزجته، وقتلت فلانا، وقتلته إذا: ذللته، قال الشاعر:

- 362 - كأن عيني في غربى مقتلة * (الشطر لزهير، وعجزه:

من النواضح تسقي جنة صحق)

وقتلت كذا علما قال تعالى: }وما قتلوه يقينا{ [النساء/157]، أي: ما علموا كونه مصلوبا علما يقينا (انظر المدخل لعلم التفسيرص 214).

من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان، مطلعها:

إن الخليط أجد البين فانفرقا * وعلق القلب من أسماء ما علقا

وهو في ديوانه ص 40؛ واللسان (قتل) ).

والمقاتلة: المحاربة وتحري القتل. قال: }وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة{ [البقرة /193]، }ولئن قوتلوا{ [الحشر/12]، }قاتلوا الذين يلونكم{ [التوبة/123]، }ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل{ [النساء/74]، وقيل: القتل: العدو والقرن (انظر: المجمل 3/743؛ والجمهرة 2/25)، وأصله المقاتل، وقوله: }قاتلهم الله{ [التوبة/30]، قيل: معناه لعنهم الله، وقيل: معناه قتلهم، والصحيح أن ذلك هو المفاعلة، والمعنى: صار بحيث يتصدى لمحاربة الله، فإن من قاتل الله فمقتول، ومن غالبه فهو مغلوب، كما قال: }وإن جندنا لهم الغالبون{ [الصافات/173]، وقوله: }و لا تقتلوا أولادكم من إملاق{ [الأنعام/151]، فقد قيل: إن ذلك نهي عن وأد البنات (انظر تفسير الطبري 8/82)، وقال بعضهم: بل نهي عن تضييع البذر بالعزلة ووضعه في غير موضعه. وقيل: إن ذلك نهي عن شغل الأولاد بما يصدهم عن العلم، وتحري ما يقتضي الحياة الأبدية، إذ كان الجاهل والغافل عن الآخرة في حكم الأموات، ألا ترى أنه وصفهم بذلك في قوله: }أموات غير أحياء{ [النحل/21]، وعلى هذا: }ولا تقتلوا أنفسكم{ [النساء/29]، ألا ترى أنه قال: }ومن يفعل ذلك{ [النساء/ 30]، وقوله: }لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم{ [المائدة/95]، فإنه ذكر لفظ القتل دون الذبح والذكاة؛ إذ كان القتل أعم هذه الألفاظ تنبيها أن تفويت روحه على جميع الوجوه محظور، يقال: أقتلت فلانا: عرضته للقتل، واقتتله العشق والجن، ولا يقال ذلك في غيرهما، والاقتتال: كالمقاتلة. قال تعالى: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما{ [الحجرات/9].

 قحم

- الاقتحام: توسط شدة مخيفة. قال تعالى: }فلا اقتحم العقبة{ [البلد/11]، }هذا فوج مقتحم{ [ص/59]، وقحم الفرس فارسه: توغل به ما يخاف عليه، وقحم فلان نفسه في كذا من غير روية، والمقاحيم: الذين يقتحمون في الأمر، قال الشاعر:

- 363 - مقاحيم في الأمر الذي يتجنب

(لم أجده)

ويروى: يتهيب.

 قدد

- القد: قطع الشيء طولا. قال تعالى: }إن كان قميصه قد من قبل{ [يوسف/ 26]، }وإن كان قميصه قد من دبر{ [يوسف/27]. والقد: المقدود، ومنه قيل لقامة الإنسان: قد، كقولك: تقطيعه (قال ابن منظور: وإنه لحسن التقطيع: أي: القد، ويقال: فلان قطيع فلان، أي: شبيهه في قده وخلقه، وجمعه أقطعاء. انظر: اللسان (قطع) 8/282)، وقددت اللحم فهو قديد، والقدد: الطرائق. قال: }طرائق قددا{ [الجن/11]، الواحدة: قدة، والقدة: الفرقة من الناس، والقدة كالقطعة، واقتد الأمر: دبره، كقولك: فصله وصرمه.

و (قد) : حرف يختص بالفعل، والنحويون يقولون: هو للتوقع. وحقيقته أنه إذا دخل على فعل ماض فإنما يدخل على كل فعل متجدد، نحو قوله: }قد من الله علينا{ [يوسف/90]، }قد كان لكم آية في فئتين{ [آل عمران/13]، }قد سمع الله{ [المجادلة/1]، }لقد رضي الله عن المؤمنين{ [الفتح/18]، }لقد تاب الله على النبي{ [التوبة/117]، وغير ذلك، ولما قلت لا يصح أن يستعمل في أوصاف الله تعالى الذاتية، فيقال: قد كان الله عليما حكيما، وأما قوله: }علم أن سيكون منكم مرضى{ [المزمل/20]، فإن ذلك متناول للمرض في المعنى، كما أن النفي في قولك: ما علم الله زيدا يخرج، هو للخروج، وتقدير ذلك: قد يمرضون فيما علم الله، وما يخرج زيد فيما علم الله، وإذا دخل (قد) على المستقبل من الفعل فذلك الفعل يكون في حالة دون حالة. نحو: }قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا{ [النور/63]، أي: قد يتسللون أحيانا فيما علم الله.

و (قد) و (قط) (انظر: الجنى الداني ص 269؛ ومغني اللبيب ص 226, 233؛ والبصائر 4/241) يكونان اسما للفعل بمعنى حسب، يقال: قدني كذا، وقطني كذا، وحكي: قدي. وحكى الفراء: قد زيدا، وجعل ذلك مقيسا على ما سمع من قولهم: قدني وقدك، والصحيح أن ذلك لا يستعمل مع الظاهر، وإنما جاء عنهم في المضمر.

 قدر

- القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ما، وإذا وصف الله تعالى بها فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا، بل حقه أن يقال: قادر على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه، والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه. والقدير: هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى، قال: }إن الله على كل شيء قدير{ [البقرة/ 20]. والمقتدر يقاربه نحو: }عند مليك مقتدر{ [القمر/55]، لكن قد يوصف به البشر، وإذا استعمل في الله فمعناه القدير، وإذا استعمل في البشر فمعناه: المتكلف والمكتسب للقدرة، يقال: قدرت على كذا. قال تعالى: }لا يقدرون على شيء مما كسبوا{ [البقرة/264]. والقدر والتقدير: تبين كمية الشيء. يقال: قدرته وقدرته، وقدره بالتشديد: أعطاه القدرة. يقال: قدرني الله على كذا وقواني عليه، فتقدير الله الأشياء على وجهين:

أحدهما: بإعطاء القدرة.

والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة، وذلك أن فعل الله تعالى ضربان:

ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أن أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى إن يشاء أن يفنيه، أو يبدله كالسموات وما فيها.

ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة، وقدره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره فيه، كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون، وتقدير مني الإنسان أن يكون منه الإنسان دون سائر الحيوانات.

فتقدير الله على وجهين:

أحدهما بالحكم منه أن يكون كذا أو لا يكون كذا؛ إما على سبيل الوجوب؛ وإما على سبيل الإمكان. وعلى ذلك قوله: }قد جعل الله لكل شيء قدرا{ [الطلاق/3].

والثاني: بإعطاء القدرة عليه. وقوله: }فقدرنا فنعم القادرون{ [المرسلات/ 23]، تنبيها أن كل ما يحكم به فهو محمود في حكمه، أو يكون من قوله: }قد جعل الله لكل شيء قدرا{ [الطلاق/3]، وقرئ: }فقدرنا{ (قرأ بالتشديد نافع والكسائي وأبو جعفر. انظر: الإتحاف ص 430) بالتشديد، وذلك منه، أو من إعطاء القدرة، وقوله: }نحن قدرنا بينكم الموت{ [الواقعة/60]، فإنه تنبيه أن ذلك حكمة من حيث إنه هو المقدر، وتنبيه أن ذلك ليس كما زعم المجوس أن الله يخلق وإبليس يقتل، وقوله: }إنا أنزلناه في ليلة القدر{ [القدر/ 1]، إلى آخرها.

أي: ليلة قيضها لأمور مخصوصة. وقوله: }إنا كل شيء خلقناه بقدر{ [القمر/49]، وقوله: }والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه{ [المزمل/20]، إشارة إلى ما أجري من تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل، وأن ليس أحد يمكنه معرفة ساعاتهما وتوفية حق العبادة منهما في وقت معلوم، وقوله: }من نطفة خلقه فقدره{ [عبس/19]، فإشارة إلى ما أوجده فيه بالقوة، فيظهر حالا فحالا إلى الوجود بالصورة، وقوله: }وكان أمر الله قدرا مقدورا{ [الأحزاب/38]، فقدر إشارة إلى ما سبق به القضاء، والكتابة في اللوح المحفوظ والمشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (فرغ ربكم من الخلق والخلق والأجل والرزق) (الحديث تقدم في مادة (خزن) ؛ وأخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ص 149 من كلام ابن مسعود)، والمقدور إشارة إلى ما يحدث عنه حالا فحالا مما قدر، وهو المشار إليه بقوله: }كل يوم هو في شأن{ [الرحمن/29]، وعلى ذلك قوله: }وما ننزله إلا بقدر معلوم{ [الحجر/21]، قال أبو الحسن: خذه بقدر كذا وبقدر كذا، وفلان يخاصم بقدر وقدر، وقوله: }على الموسع قدره وعلى المقتر قدره{ [البقرة/236]، أي: ما يليق بحاله مقدرا عليه، وقوله: }والذي قدر فهدى{ [الأعلى/3]، أي: أعطى كل شيء ما فيه مصلحته، وهداه لما فيه خلاصة؛ إما بالتسخير؛ وإما بالتعليم كما قال: }أعطى كل شيء خلقه ثم هدى{ [طه/50]، والتقدير من الإنسان على وجهين: أحدهما: التفكر في الأمر بحسب نظر العقل، وبناء الأمر عليه، وذلك محمود، والثاني: أن يكون بحسب التمني والشهوة، وذلك مذموم كقوله: }فكر وقدر * فقتل كيف قدر{ [المدثر/18 - 19]، وتستعار القدرة والمقدور للحال، والسعة في المال، والقدر: وقت الشيء المقدر له، والمكان المقدر له، قال: }إلى قدر معلوم{ [المرسلات/22]، وقال: }فسالت أودية بقدرها{ [الرعد/17]، أي: بقدر المكان المقدر لأن يسعها، وقرئ: (بقدرها) (وهي قراءة شاذة، قرأ بها الحسن والأشهب العقيلي.

انظر: تفسير القرطبي 9/305) أي: تقديرها. وقوله: }وغدوا على حرد قادرين{ [القلم/25]، قاصدين، أي: معينين لوقت قدروه، وكذلك قوله: }فالتقى الماء على أمر قد قدر{ [القمر/12]، وقدرت عليه الشيء: ضيقته، كأنما جعلته بقدر بخلاف ما وصف بغير حساب. قال تعالى: }ومن قدر عليه رزقه{ [الطلاق/7]، أي: ضيق عليه، وقال: