كتاب الصاد

 صبب

- صب الماء: إراقته من أعلى، يقال: صبه فانصب، وصببته فتصبب. قال تعالى: }أنا صببنا الماء صبا{ [عبس/25]، }فصب عليهم ربك سوط عذاب{ [الفجر/13]، }يصب من فوق رؤوسهم الحميم{ [الحج/19]، وصبا إلى كذا صبابة: مالت نفسه نحوه محبة له، وخص اسم الفاعل منه بالصب، فقيل: فلان صب بكذا، والصبة كالصرمة (الصبة: القطعة من الخيل، وكذلك من الغنم، انظر المجمل 2/532)، والصبيب: المصبوب من المطر، ومن عصارة الشيء، ومن الدم، والصبابة والصبة: البقية التي من شأنها أن تصب، وتصاببت الإناء: شربت صبابته، وتصبصب: ذهبت صبابته.

 صبح

- الصبح والصباح، أول النهار، وهو وقت ما احمر الأفق بحاجب الشمس. قال تعالى: }أليس الصبح بقريب{ [هود/81]، وقال: }فساء صباح المنذرين{ [الصافات/177]، والتصبح: النوم بالغداة، والصبوح: شرب الصباح، يقال: صبحته: سقيته صبوحا، والصبحان: المصطبح، والمصباح: ما يسقى منه، ومن الإبل ما يبرك فلا ينهض حتى يصبح، وما يجعل فيه المصباح، قال: }مثلا نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة{ [النور/35]، ويقال للسراج: مصباح، والمصباح: مقر السراج، والمصابيح: أعلام الكواكب. قال تعالى: }ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح{ [الملك/5]، وصبحتهم ماء كذا: أتيتهم به صباحا، والصبح: شدة حمرة في الشعر، تشبيها بالصبح والصباح، وقيل: صبح فلان أي: وضؤ (يقال: صبح يصبح صباحة، انظر اللسان: صبح).

 صبر

- الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة: حبستها بلا علف، وصبرت فلانا: خلفته خلفة لا خروج له منها، والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه، فالصبر لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه؛ فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده المذل، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرا، ونبه عليه بقوله: }والصابرين في البأساء والضراء{ [البقرة/177]، }والصابرين على ما أصابهم{ [الحج/35]، }والصابرين والصابرات{ [الأحزاب/35]، وسمي الصوم صبرا لكونه كالنوع له، وقال عليه السلام: (صيام شهر الصبر وثلاثة أيام في كل شهر يذهب وحر الصدر) (الحديث عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن الأعرابي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر) أخرجه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، ,أخرجه البزار عن ابن عباس، ورجاله رجال الصحيح.

انظر: مجمع الزوائد 3/199؛ والمسند 5/154)، وقوله تعالى: }فما أصبرهم على النار{ [البقرة/175]، قال أبو عبيدة (انظر: مجاز القرآن 1/64؛ ومعاني القرآن للفراء 1/103) : إن ذلك لغة بمعنى الجرأة، واحتج بقول أعرابي قال لخصمه: ما أصبرك على الله، وهذا تصور مجاز بصورة حقيقة؛ لأن ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار، وقول من قال (انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/245) : ما أعملهم بعمل أهل النار، وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتبارا بحال الناظر إليه، واستعمال التعجب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق، وقوله تعالى: }اصبروا وصابروا{ [آل عمران/200]، أي: احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أهواءكم، وقوله: }واصطبر لعبادته{ [مريم/65]، أي: تحمل الصبر بجهدك، وقوله: }أولئك يجزون الغرفة بما صبروا{ [الفرقان/75]، أي: بما تحملوا من الصبر في الوصول إلى مرضاة الله، وقوله: }فصبر جميل{ [يوسف/18]، معناه: الأمر والحث على ذلك، والصبور: القادر على الصبر، والصبار يقال: إذا كان فيه ضرب من التكلف والمجاهدة، قال: }إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور{ [الشورى/33]، ويعبر عن الانتظار بالصبر لما كان حق الانتظار أن لا ينفك عن الصبر بل هو نوع من الصبر، قال: }فاصبر لحكم ربك{ [الطور/48]، أي: انتظر حكمة لك على الكافرين.

 صبغ

- الصبغ: مصدر صبغت، والصبغ: المصبوغ، وقوله تعالى: }صبغة الله{ [البقرة/138]، إشارة إلى ماأوجده الله تعالى في الناس من العقل المتميز به عن البهائم كالفطرة، وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء عمودية يزعمون أن ذلك صبغة، فقال تعالى له ذلك، وقال: }ومن أحسن من الله صبغة{ [البقرة/138]، وقال: }وصبغ للآكلين{ [المؤمنون/20]، أي: أدم لهم، وذلك من قولهم: اصطبغت بالخل (قال الزمخشري: ومن المجاز: نعم الصبغ والصباغ الخل؛ لأن الخبز يغمس فيه ويتلون به. انظر: أساس البلاغة ص 248).

 صبا

- الصبي: من لم يبلغ الحلم، ورجل مصب: ذو صبيان. قال تعالى: }قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا{ [مريم/29]. وصبيا فلان يصبو صبوا وصبوة: إذا نزع واشتاق، وفعل فعل الصبيان. قال: }أصب إليهن وأكن من الجاهلين{ [يوسف/33]، وأصباني فصبوت، والصبا: الريح المستقبل للقبلة. وصابيت السيف: أغمدته مقلوبا، وصابيت الرمح: أملته، وهيأته للطعن. والصابئون: قوم كانوا على دين نوح، وقيل لكل خارج من الدين إلى دين آخر: صابئ، من قولهم: صبأ ناب البعير: إذا طلع، ومن قرأ: }صابين{ (وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين. الإتحاف 138) فقد قيل: على تخفيف الهمز كقوله: }لا يأكله إلا الخاطون{ (وهي قراءة أبي جعفر) [الحاقة/ 37]، وقد قيل: بل هو من قولهم: صبا يصبو، قال تعالى: }والصابئين والنصارى{ [الحج/17]. وقال أيضا: }والنصارى والصابئين{ [البقرة/62].

 صحب

- الصاحب: الملازم إنسانا كان أو حيوانا، أو مكانا، أو زمانا. ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن - وهو الأصل والأكثر - أو بالعناية والهمة، وعلى هذا قال:

- 279 - لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي

(هذا عجز بيت لأبي العتاهية، وصدره:

أما والذي لو شاء لم يخلق النوى

وهو في عيون الأخبار 4/86؛ ومجمع البلاغة 1/501؛ وأمالي القالي 2/196؛ ولم أجده في ديوان أبي العتاهية)

ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، ويقال للمالك للشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه. قال تعالى: }إذ يقول لصاحبه لا تحزن{ [التوبة/40]، }قال له صاحبه وهو يحاوره{ [الكهف/34]، }أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم{ [الكهف/9]، }وأصحاب مدين{ [الحج/44]، }وأصحاب النار هم فيها خالدون{ [البقرة/217]، }من أصحاب السعير{ [فاطر/6]، وأما قوله: }وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة{ [المدثر/31] أي: الموكلين بها لا المعذبين بها كما تقدم. وقد يضاف الصاحب إلى مسوسه نحو: صاحب الجيش، وإلى سائسه نحو: صاحب الأمير. والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع؛ لأجل أن المصاحبة تقتضي طول لبثه، فكل اصطحاب اجتماع، وليس كل اجتماع اصطحابا، وقوله: }و لا تكن كصاحب الحوت{ [القلم/48]، وقوله: }ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة{ [سبأ/46]، وقد سمي النبي عليه السلام صاحبهم تنبيها أنكم صحبتموه، وجربتموه وعرفتموه ظاهرة وباطنه، ولم تجدوا به خبلا وجنة، وكذلك قوله: }وما صاحبكم بمجنون{ [التكوير/22]. والإصحاب للشيء: الأنقياد له. وأصله أن يصير له صاحبا، ويقال: أصحب فلان: إذا كبر ابنه فصار صاحبه، وأصحب فلان فلانا: جعل صاحبا له. قال: }ولا هم منا يصحبون{ [الأنبياء/43]، أي: لا يكون لهم من جهتنا ما يصحبهم من سكينة وروح وترفيق، ونحو ذلك مما يصحبه أولياءه، وأديم مصحب: أصحب الشعر الذي عليه ولم يجز عنه.

 صحف

- الصحيفة: المبسوط من الشيء، كصحيفة الوجه، والصحيفة: التي يكتب فيها، وجمعها: صحائف وصحف. قال تعالى: }صحف إبراهيم وموسى{ [الأعلى/19]، }يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة{ [البينة/2 - 3]، قيل: أريد بها القرآن، وجعله صحفا فيها كتب من أجل تضمنه لزيادة ما في كتب الله المتقدمة. والمصحف: ما جعل جامعا للصحف المكتوبة، وجمعه: مصاحف، والتصحيف: قراءة المصحف وروايته على غير ما هو لاشتباه حروفه، والصحفة مثل قصعة عريضة.

 صخ

- الصاخة: شدة صوت ذي النطق، يقال: صخ يصخ صخا فهو صاخ. قال تعالى: }فإذا جاءت الصاخة{ [عبس/33]، وهي عبارة عن القيامة حسب المشار إليه بقوله: }يوم ينفخ في الصور{ [الأنعام/73]، وقد قلب عنه: أصاخ يصيخ.

 صخر

- الصخر: الحجر الصلب. قال تعلى: }فتكن في صخرة{ [لقمان/16]، وقال: }وثمود الذين جابوا الصخر بالواد{ [الفجر/9].

 صدد

- الصدود والصد قد يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا، نحو: }يصدون عنك صدودا{ [النساء/61]، وقد يكون صرفا ومنعا نحو: }وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل{ [النمل/24]، }الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله{ [محمد/1]، }ويصدون عن سبيل الله{ [الحج/25]، }قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله{ [البقرة/217]، }ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك{ [القصص/87]، إلى غير ذلك من الآيات. وقيل: صد يصد صدودا، وصد يصد صدا (قال السرقسطي: وصد عن الشيء صدودا، أعرض، وصد أيضا: ضج. انظر: الأفعال 3/385.

وفي اللسان: صد يصد صدا: ضج وعج)، والصد من الجبل: ما يحول، والصديد: ما حال بين اللحم والجلد من القيح، وضرب مثلا لمطعم أهل النار. قال تعالى: }ويسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه{ [إبراهيم /16 - 17].

 صدر

- الصدر: الجارحة. قال تعالى: }رب أشرح لي صدري{ [طه/25]، وجمعه: صدور. قال: }وحصل ما في الصدور{ [العاديات/10]، }ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{ [الحج/46]، ثم استعير لمقدم الشيء كصدر القناة، وصدر المجلس، والكتاب، والكلام، وصدره أصاب صدره، أو قصد قصده نحو: ظهره، وكتفه، ومنه قيل: رجل مصدور: يشكو صدره، وإذا عدي صدر ب (عن) اقتضى الانصراف، تقول: صدرت الإبل عن الماء صدرا، وقيل: الصدر، قال: }يومئذ يصدر الناس اشتاتا{ [الزلزلة/6]، والمصدر في الحقيقة: صدر عن الماء، ولموضع المصدر، ولزمانه، وقد يقال في تعارف النحويين للفظ الذي روعي فيه صدور الفعل الماضي والمستقبل عنه. والصدار: ثوب يغطى به الصدر، على بناء دثار ولباس، ويقال له: الصدرة، ويقال ذلك لسمة على صدر البعير. وصدر الفرس: جاء سابقا بصدره، قال بعض الحكماء: حيثما ذكر الله تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو: }إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب{ [ق/37]، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك، وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب ونحوها، وقوله: }رب اشرح لي صدري{ [طه/25]، فسؤال لإصلاح قواه، وكذلك قوله: }ويشف صدور قوم مؤمنين{ [التوبة/14]، إشارة إلى اشتفائهم، وقوله: }فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{ [الحج/ 46]، أي: العقول التي هي مندرسة فيما بين سائر القوى وليست بمهتدية، والله أعلم بذلك، وبوجه الصواب فيه.

 صدع

- الصدع: الشق في الأجسام الصلبة كالزجاج والحديد ونحوهما، يقال: صدعته فانصدع، وصدعته فتصدع، قال تعالى: }يومئذ يصدعون{ [الروم/ 43]، وعنه استعير: صدع الأمر، أي: فصله، قال: }فاصدع بما تؤمر{ [الحجر/94]، وكذا استعير منه الصداع، وهو شبه الاشتقاق في الرأس من الوجع. قال: }لا يصدعون عنها ولا ينزفون{ [الواقعة/19]، ومنه الصديع للفجر (انظر: المجمل 2/552، والبصائر 3/395، واللسان: صدع)، وصدعت الفلاة: قطعتها (انظر: المجمل 2/552)، وتصدع القوم أي: تفرقوا.

 صدف

- صدف عنه: أعرض إعراضا شديدا يجري مجرى الصدف، أي: الميل في أرجل البعير، أو في الصلابة كصدف الجبل أي: جانبه، أو الصدف الذي يخرج من البحر. قال تعالى: }فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها{ [الأنعام/157]، }سنجزي الذين يصدفون... { الآية إلى }بما كانوا يصدفون{ [الأنعام/157] (تمام الآية: }فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون{ ).

 صدق

- الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، ولذلك قال: }ومن أصدق من الله قيلا{ [النساء/122]، }ومن أصدق من الله حديثا{ [النساء/87]، }واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد{ [مريم/54]، وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام، كالاستفهام والأمر والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، [وكذا إذا قال: واسني في ضمنه إنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه] (ما بين [ ] نقله السمين في عمدة الحفاظ (صدق)، ثم قال: وفيه نظر من حيث التصديق والتكذيب لم يرد على معنى الاستفهام، وما بعده إنما ورد على ما هو لازم، ولا كلام في ذلك، فلم يصح أن يقال: إنهما وردا على غير الخبر).

والصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما، بل إما أن لا يوصف بالصدق؛ وإما أن يوصف تارة بالصدق، وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، كقول كافر إذا قال من غير اعتقاد: محمد رسول الله، فإن هذا يصح أن يقال: صدق، لكون المخبر عنه كذلك، ويصح أن يقال: كذب، لمخالفة قوله ضميره، وبالوجه الثاني إكذاب الله تعالى المنافقين حيث قالوا: }نشهد إنك لرسول الله... { الآية [المنافقون/1]،

والصديق: من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قط، وقيل: بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، قال: }واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا{ [مريم/41]، وقال: }واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا{ [مريم/56]، وقال: }وأمه صديقة{ [المائدة/75]، وقال: }فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء{ [النساء/69]، فالصديقون هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة على ما بينت في (الذريعة إلى مكارم الشريعة (انظر: الذريعة ص 71، باب أصناف الناس). وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظني وكذب، ويستعملان في أفعال الجوارح، فيقال: صدق في القتال: إذا وفى حقه، وفعل ما يجب وكما يجب، وكذب في القتال: إذا كان بخلاف ذلك قال: }رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه{ [الأحزاب/23]، أي: حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وقوله: }ليسأل الصادقين عن صدقهم{ [الأحزاب/8]، أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله تنبيها أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل، وقوله تعالى: }لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق{ [الفتح/27]، فهذا صدق بالفعل وهو التحقق، أي: حقق رؤيته، وعلى ذلك قوله: }والذي جاء بالصدق وصدق به{ [الزمر/33]، أي: حقق ما أورده قولا بما تحراه فعلا، ويعبر عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوسف به نحو قوله: }في مقعد صدق عند مليك مقتدر{ [القمر/55]، وعلى هذا: }أن لهم قدم صدق عند ربهم{ [يونس/2]، وقوله: }أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق{ [الإسراء/80]، }واجعل لي لسان صدق في الآخرين{ [الشعراء/84]، فإن ذلك سؤال أن يجعله الله تعالى صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن ذلك الثناء كذبا بل يكون كما قال الشاعر:

- 280 - إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني

(البيت لأبي نواس، وبعده:

وإن جرت الألفاظ منا بمدحه * لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني

وهو في مختارات البارودي 1/114؛ والوساطة بين المتنبي وخصومه ص 56؛ وتفسير القرطبي 1/135)

وصدق قد يتعدى إلى مفعولين نحو: }ولقد صدقكم الله وعده{ [آل عمران/ 152]، وصدقت فلانا: نسبته إلى الصدق، وأصدقته: وجدته صادقا، وقيل: هما واحد، ويقالان فيهما جميعا. قال: }ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم{ [البقرة/101]، }وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه{ [المائدة/46]، ويستعمل التصديق في كل ما فيه تحقيق، يقال: صدقني فعله وكتابه. قال تعالى: }ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم{ [البقرة/89]، }نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه{ [آل عمران/3]، }وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا{ [الأحقاف/12]، أي: مصدق ما تقدم، وقوله: (لسانا) منتصب على الحال، وفي المثل: صدقني سن بكره (هذا مثل يضرب في الصدق، انظر: مجمع الأمثال 1/392؛ وأساس البلاغة ص 251. ويجوز في (سن) الرفع والنصب). والصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان دون غيره، قال: }فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم{ [الشعراء/100 - 101]. وذلك إشارة إلى نحو قوله: }الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين{ [الزخرف/67]، والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبها الصدق في فعله. قال: }خذ من أموالهم صدقة{ [التوبة/103]، وقال: }إنما الصدقات للفقراء{ [التوبة/60]، ويقال: صدق وتصدق قال: }فلا صدق ولا صلى{ [القيامة/31]، }إن الله يجزي المتصدقين{ [يوسف/88]، }إن المصدقين والمصدقات{ [الحديد/18]، في آي كثيرة. ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقه: تصدق به، نحو قوله: }والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له{ [المائدة/45]، أي: من تجافى عنه، وقوله: }وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم{ [البقرة/280]، فإنه أجرى ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة (راجع: تفسير الماوردي 1/292). وعلى هذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما تأكله العافية فهو صدقة) (الحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضا ميتة فهي له، وما أكلت العافية فهو له صدقة) أخرجه أحمد في المسند 3/338.

وعن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرئ يحيي أرضا فتشرب منها كبد حرى، أو تصيب منها عافية إلا كتب الله له به أجرا). أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه ابن المديني، انظر: مجمع الزوائد 4/160)، وعلى هذا قوله تعالى: }فدية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا{ [النساء/92]، فسمى إعفاءه صدقة، وقوله: }فقدموا بين يدي نجواكم صدقة{ [المجادلة/12]، }أأشففتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات{ [المجادلة/13]، فإنهم كانوا قد أمروا بأن يتصدق من يناجي الرسول بصدقة ما غير مقدرة. وقوله: }رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين{ [المنافقون/10]، فمن الصدق أو من الصدقة. وصداق المرأة وصداقها وصدقتها: ما تعطى من مهرها، وقد أصدقتها. قال تعالى: }وآتوا النساء صدقاتهن نحلة{ [النساء/4].

 صدى

- الصدى: صوت يرجع إليك من كل مكان صقيل، والتصدية: كل صوت يجري مجرى الصدى في أن لا غناء فيه، وقوله: }وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية{ [الأنفال/35]، أي: غناء ما يوردونه غناء الصدى، ومكاء الطير. والتصدي: أن يقابل الشيء مقابلة الصدى، أي: الصوت الراجع من الجبل، قال: }أما من استغنى * فأنت له تصدى{ [عبس/5 - 6]، والصدى يقال لذكر البوم (انظر: المجمل 2/553)، وللدماغ لكون الدماغ متصورا بصورة الصدى، ولهذا يسمى: هامة، وقولهم: أصم الله صداه (والصدى: الدماغ، ويقال: بل هو الموضع الذي جعل فيه السمع من الدماغ، ولذلك يقولون: أصم الله صداه.

راجع: المجمل 2/553؛ ومجمع الأمثال 1/404)، فدعاء عليه بالخرس، والمعنى: لا جعل الله له صوتا حتى لا يكون له صدى يرجع إ