بسم الله الرحمن الرحيم :

الوضوء : باب ما جاء في الوضوء

 

وقول الله تعالى : " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " [ المائدة : 66 ] .

قال أبو عبد الله : وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فرض الوضوء مرة مرة ، وتوضأ أيضاً مرتين مرتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، ولم يرد على ثلاث . وكره أهل العلم الإسراف فيه ، وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم . كتاب الوضوء . باب ما جاء في قول الله عز وجل : " إذا قمتم إلى الصلاة " الآية ) وفي رواية  الأصيلي  : ( ما جاء في قول الله ) دون ما قبله ، ول كريمة  ( باب في الوضوء وقول الله عز وجل إلخ ) . والمراد بالوضوء ذكر أحكامه وشرائطه وصفته ومقدماته . والوضوء بالضم هو الفعل ، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما ، وحكي في كل منهما الأمران . وهو مشتق من الوضاءة ، وسمي بذلك لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئاً . وأشار بقوله : ( ما جاء ) إلى اختلاف السلف في معنى الآية فقال الأكثرون : التقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين . وقال آخرون : بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف ، إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب ، وفي حق غيره على الندب . وقال بعضهم : كان على الإيجاب ثم نسخ صار مندوباً . ويدل لهذا ما رواه  أحمد  و أبو داود  من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أسماء بنت زيد بن الخطاب حدثت أباه عبد الله بن عمر " عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر ، فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث " . ول مسلم  من حديث بريدة : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد ، فقال له عمر : إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله . فقال : عمداً فعلته " أي لبيان الجواز . وسيأتي حديث أنس في ذلك في باب الوضوء من غير حدث . واختلف العلماء أيضاً في موجب الوضوء فقيل : يجب بالحدث وجوباً موسعاً ، وقيل به وبالقيام إلى الصلاة معاً ورجحه جماعة من الشافعية ، وقيل بالقيام إلى الصلاة حسب ، ويدل له ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة " واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى : " إذا قمتم إلى الصلاة " إيجاب النية في الوضوء ، لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها ، ومثله قولهم : إذا رأيت الأمير فقم ، أي لأجله . وتمسك بهذه الآية من قال : إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة ، فأما ما قبل ذلك فنقل  ابن عبد البر  اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة كما فرضت الصلاة ، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء . قال : وهذا مما لا يجهله عالم . وقال  الحاكم  في  المستدرك  : وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة . ثم ساق حديث ابن عباس : " دخلت فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقالت : هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك . فقال : ائتوني بوضوء فتوضأ " ... الحديث . قلت : وهذا يصلح رداً على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة ، لا على من أنكر وجوبه حينئذ . وقد جزم  ابن الجهم المالكي  بأنه كان قبل الهجرة مندوباً وجزم  ابن حزم  بأنه لم يشرع إلا بالمدينة ، ورد عليهما بما أخرجه  ابن لهيعة  في  المغازي  التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة عنه أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي ، وهو مرسل ، ووصله  أحمد  من طريق  ابن لهيعة  أيضاً لكن قال : عن  الزهري  عن  عروة  عن أسامة بن زيد عن أبيه . وأخرجه  ابن ماجة  من رواية  رشدين بن سعد  عن  عقيل  عن  الزهري  نحوه ، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند . وأخرجه  الطبراني  في  الأوسط  من طريق  الليث  عن  عقيل  موصولاً ، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح ، لكن المعروف رواية  ابن لهيعة  .

قوله : ( وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فرض الوضوء مرة مرة ) كذا في روايتنا بالرفع على الخبرية ، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق ، أي فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلاً مرة مرة ، أو على الحال السادة مسد الخبر ، أي يفعل مرة ، أو على لغة من ينصب الجزأين بأن . وأعاد لفظ مرة لإرادة التفصيل أي الوجه مرة واليد مرة إلخ . والبيان المذكور يحتمل أن يشير به إلى ما رواه بعد من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة ، وهو بيان الفعل لمجمل الآية ، إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد ، فبين الشارع أن المرة الواحدة للإيجاب وما زاد عليها للاستحباب ، وستأتي الأحاديث على ذلك فيما بعد . وأما " حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " ففيه بيان الفعل والقول معاً ، لكنه حديث ضعيف أخرجه  ابن ماجة  ، وله طرق أخرى كلها ضعيفة .

قوله : ( وتوضأ أيضاً مرتين مرتين ) كذا في رواية أبي ذر ، ولغيره ( مرتين ) بغير تكرار ، وسيأتي هذا التعليق موصولاً في باب مفرد مع الكلام عليه .

قوله : ( وثلاثاً ) أي وتوضأ أيضاً ثلاثاً ، زاد  الأصيلي  ثلاثاً على نسق ما قبله ، وسيأتي موصولاً أيضاً في باب مفرد .

قوله : ( ولم يزد على ثلاث ) أي لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم أنه زاد على ثلاث ، بل ورد عنه صلى الله عليه وسلم ذم من زاد عليها ، وذلك فيما رواه  أبو داود  وغيره من طريق  عمرو بن شعيب  عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال : من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " إسناده جيد ، لكن عده  مسلم  في جملة ما أنكر على  عمرو بن شعيب  لأن ظاهره ذم النقص من الثلاث ، وأجيب بأنه أمر سيء والإساءة تتعلق بالنقص ، والظلم بالزيادة . وقيل : فيه حذف تقديره من نقص من واحدة . ويؤيده ما رواه  نعيم بن حماد  من طريق  المطلب بن حنطب  مرفوعاً " الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً ، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ " ، وهو مرسل رجاله ثقات . وأجيب عن الحديث أيضاً بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه ، بل أكثرهم مقتصر على قوله : " فمن زاد " فقط ، كذا رواه  ابن خزيمة  في صحيحه وغيره . ومن الغرائب ما حكاه شيخ  أبو حامد الإسفرايني  عن بعض العلماء أنه لا يجوز النقص من الثلاث ، وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور ، وهو محجوج بالإجماع . وأما قول  مالك  في المدونة : لا أحب الواحدة إلا من العالم ، فليس فيه إيجاب زيادة عليها . والله أعلم .

قوله : ( وكره أهل العلم الإسراف فيه ) يشير بذلك إلى ما أخرجه  ابن أبي شيبة  من طريق  هلال بن يساف  أحد التابعين قال : كان يقال : ( من الوضوء إسراف وول كنت على شاطئ نهر ) . وأخرج نحوه عن أبي الدارداء وابن مسعود ، وروي في معناه حديث مرفوع أخرجه  أحمد  و ابن ماجة  بإسناد لين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاس .

قوله : ( وأن يجاوزا الخ ) يشير إلى ما أخرجه  ابن أبي شيبة  أيضاً عن ابن مسعود قال : ليس بعد الثلاث شيء . وقال  أحمد  و إسحاق  وغيرهما : لا تجوز الزيادة على الثلاث . وقال  ابن المبارك  : لا آمن أن يأثم . وقال  الشافعي  : لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث ، فإن زاد لم أكرهه . أي لم أحرمه ، لأن قوله لا أحب يقتضي الكراهة . وهذا الأصح عند الشافعية أنه مكروه كراهة تنزيه . وحكى  الدارمي  منهم عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة ، وهو قياس فاسد ، ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق . واختلف عند الشافعية في القيد الذي يمتنع منه حكم الزيادة على الثلاث ، فالأصلح إن صلى فرضاً أو نفلاً ، وقيل الفرض فقط ، وقيل مثله حتى سجدة التلاوة والشكر ومس المصحف ، وقيل ما يقصد له الوضوء وهو أعلم ، وقيل إذا وقع الفصل بزمن يحتمل في مثله نقض الوضوء عادة ، وعند بعض الحنفية أنه راجع إلى الاعتقاد فإن اعتقد أن الزيادة على الثلاث سنة أخطأ ودخل في الوعيد ، وإلا فلا يشترط للتحديد شيء بل لو زاد الرابعة وغيرها لا لوم ، ولا سيما إذا قصد به القربة للحديث الوارد " الوضوء على الوضوء نور " . قلت : وهو حديث ضعيف ، ولعل المصنف أشار إلى هذه الرواية ، وسيأتي بسط ذلك في أول تفسير المائدة إن شاء الله تعالى . ويستثنى من ذلك ما لو علم أنه بقي من العضو شيء لم يصبه الماء في المرات أو بعضها فإنه يغسل موضعه فقط ، وأما مع الشك الطارئ بعد الفراغ فلا ، لئلا يؤول به الحال إلى الوسواس المذموم .

 

كتاب الوضوء : باب لا تقبل صلاة بغير طهور

" حدثنا  إسحاق بن إبراهيم الحنظلي  قال : أخبرنا  عبد الرزاق  قال : أخبرنا  معمر  عن  همام بن منبه  أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ ، قال رجل من حضرموت : ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال : فساء أو ضراط " .

قوله : ( باب لا تقبل صلاة بغير طهور ) هو بضم الطاء المهملة ، والمراد به ما هو أعم من الوضوء والغسل . وهذه الترجمة لفظ حديث رواه  مسلم  وغيره من حديث ابن عمر ، و أبو داود  وغيره من طريق  أبي المليح بن أسامة  عن أبيه ، وله طرق كثيرة لكن ليس فيها شيء على شرط  البخاري  ، فلهذا اقتصر على ذكره في الترجمة وأورد في الباب ما يقوم مقامه .

قوله : " لا تقبل " كذا في روايتنا بالضم على البناء لما لم يسم فاعله ، وأخرجه المصنف في ترك الحيل عن  إسحاق بن نصر  ، و أبو داود  عن  أحمد بن حنبل  كلاهما عن  عبد الرزاق  بلفظ ( لا يقبل الله ) والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء ، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة . ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازاً ، وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة " فهو الحقيقي ، لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع ، ولها كان بعض السلف يقول : لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا ، قاله ابن عمر . قال : لأن الله تعالى قال : " إنما يتقبل الله من المتقين " .

قوله : " أحدث " أي وجد منه الحدث ، والمراد به الخارج من أحد السبيلين ، وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيهاً بالأخف على الأغلظ ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما ، وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء - كمس الذكر ولمس المرأة والقيء مل الفم والحجامة - فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها . وعليه مشى المصنف كما سيأتي في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين . وقيل إن أبا هريرة اقتصر في الجواب على ما ذكر لعلمه أن السائق كان يعلم ما عدا ذلك ، وفيه بعد . واستدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياراً أم اضطرارياً ، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء ، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً .

قوله : " يتوضأ " أي بالماء ما يقوم مقامه ، وقد روى  النسائي  بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعاً " الصعيد الطيب وضوء المسلم " فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء لكونه قام مقامه ، ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة من كان محدثاً فتوضأ أي مع باقي شروط الصلاة . والله أعلم .

 

كتاب الوضوء : باب فضل الوضوء ، والغر المحجلون من آثار الوضوء

" حدثنا  يحيى بن بكير  قال : حدثنا  الليث  عن  خالد  عن  سعيد بن أبي هلال  عن  نعيم المجمر  قال : رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " .

قوله : ( باب فضل الوضوء ، والغر المحجلون ) كذا في أكثر الروايات بالرفع ، وهو على سبيل الحكاية لما ورد في بعض طرق الحديث " أنتم الغر المحجلون " وهو عند  مسلم  ، أو الواو استئنافية والغر المحجلون مبتدأ خبره محذوف تقديره لهم فضل ، أو الخبر قوله : " من آثار الوضوء " وفي رواية  المستملي  " والغر المحجلين " بالعطف على الوضوء أي وفضل الغر المحجلين كما صرح به  الأصيلي  في روايته .

قوله : " عن  خالد  " هو  ابن يزيد الإسكندراني  أحد الفقهاء الثقات ، وروايته عن  سعيد بن أبي هلال  من باب رواية الأقران .

قوله : " عن  نعيم المجمر  " بضم الميم وإسكان الجيم هو  ابن عبد الله المدني  ، وصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخران مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . وزعم بعض العلماء أن وصف عبد الله بذلك حقيقة ووصف ابنه  نعيم  بذلك مجاز ، وفيه نظر فقد جزم  إبراهيم الحربي  بأن  نعيماً  كان يباشر ذلك . ورجال هذا الإسناد الستة نصفهم مصريون ، وهم الليث وشيخه والراوي عنه ، والنصف الآخر مدنيون .

قوله : " رقيت " بفتح الراء وكسر القاف أي صعدت .

قوله : " فتوضأ " كذا لجمهور الرواة ، ول الكشميهني  يوماً بدل قوله فتوضأ وهو تصحيف ، وقد رواه  الإسماعيلي  وغيره من الوجه الذي أخرجه منه  البخاري  بلفظ " توضأ " وزاد  الإسماعيلي  فيه " فغسل وجهه ويديه فرفع في عضديه ، وغسل رجليه فرفع في ساقيه " وكذا ل مسلم  من طرق  عمرو بن الحارث  عن  سعيد بن أبي هلال  نحوه ، ومن طريق  عمارة بن غزية  عن نعيم وزاد في هذه : " أن أبا هريرة قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ " فأفاد رفعه ، وفيه رد على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة بل من روايته ورأيه معاً .

قوله : " أمتي " أي أمة الإجابة وهم المسلمون ، وقد تطلق أمة محمد ويراد بها أمة الدعوة وليست مرادة هنا .

قوله : " يدعون " بضم أوله أي ينادون أو يسمون .

قوله : " غراً " بضم المعجمة وتشديد الراء جمع أغر أي ذو غرة ، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس ، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر ، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله عليه وسلم وغراً منصوب على المفعولية ليدعون أو على الحال ، أي أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف وكانوا على هذه الصفة .

قوله : " محجلين " بالمهملة والجيم من التحجيل وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس ، وأصله من الحجل بكسر المهملة وهو الخلخال ، والمراد به هنا أيضاً النور . واستدل  الحليمي  بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة ، وفيه نظر لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة رضي الله عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي ، وفي قصة جريج الراهب أيضاً أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام ، فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء ، وقد صرح بذلك في رواية ل مسلم  عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً قال : " سيما ليست لأحد غيركم " وله من حديث حذيفة نحوه . و " سيما " بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة أي علامة . وقد اعترض بعضهم على  الحليمي  بحديث " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " وهو حديث ضعيف كما تقدم لا يصح الاحتجاج به لضعفه ، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة .

قوله : " من آثار الوضوء " بضم الواو ، ويجوز فتحها على أنه الماء قاله  ابن دقيق العيد  .

قوله : " فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " أي فليطل الغرة والتحجيل . واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى نحو " سرابيل تقيكم الحر " أي فليطل الغرة والتحجيل . واقتصر ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء ، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان . على أن رواية  مسلم  من طريق  عمارة بن غزية  ذكر الأمرين ، ولفظه " فليطل غرته وتحجيله " وقال  ابن بطال  : كنى أبو هريرة بالغرة عن التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله ، وفيما قال نظر لأنه يستلزم قلب اللغة ، وما نفاه ممنوع لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلاً . ونقل  الرافعي  عن بعضهم أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل . ثم إن ظاهرة أنه بقية الحديث ، لكن رواه  أحمد  من طريق  فليح  عن  نعيم  وفي آخره : قال  نعيم  لا أدري قوله من استطاع إلخ من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة ، ولم هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية  نعيم  هذه والله أعلم . واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل فقيل : إلى المنكب والركبة ، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأياً . وعن ابن عمر من فعله أخرجه  ابن أبي شيبة  ، و أبو عبيد  بإسناد حسن ، وقيل المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق ، وقيل إلى فوق ذلك . وقال  ابن بطال  وطائفة من المالكية : لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق لقوله صلى الله عليه وسلم : " من زاد على هذا فقد أساء وظلم " وكلامهم معترض من وجوه ، ورواية  مسلم  صريحة في الاستحباب فلا تعارض بالاحتمال . وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر ، وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية والحنفية . وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى ، كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله عليه وسلم وفي الحديث معنى ما ترجم له من فضل الوضوء ، لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب ، فكيف الظن بالواجب ؟ وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة أخرجها  مسلم  وغيره ، وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد لكن إذا لم يحصل منه أذى للمسجد أو لمن فيه . والله أعلم .

كتاب الوضوء : باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن

" حدثنا  علي  قال : حدثنا  سفيان  قال : حدثنا  الزهري  عن  سعيد بن المسيب  وعن  عباد بن تميم  عن عمه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة ، فقال : لا ينفتل - أو لا ينصرف - حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " .

قوله : ( باب ) بالتنون ( لا يتوضأ ) بفتح أوله على البناء للفاعل .

قوله : ( من الشك ) أي بسبب الشك .

قوله : " حدثنا  علي  " هو  ابن عبد الله المديني  و سفيان  هو  ابن عيينة  .

قوله : " وعن  عباد  " هو معطوف على قوله عن  سعيد بن المسيب  ، وسقطت الواو من رواية  كريمة  غلطاً لأن سعيداً لا رواية له عن عباد أصلاً ، ثم إن شيخ سعيد فيه يحتمل أن يكون عم عباد كأنه قال كلاهما عن عمه أي عم الثاني وهو عباد ، ويحتمل أن يكون محذوفاً من مراسيل  ابن المسيب  ، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف . ويؤيد الثاني رواية  معمر  لهذا الحديث عن  الزهري  عن  ابن المسيب  عن أبي سعيد الخدري أخرجه  ابن ماجة  ورواته ثقات لكن سئل  أحمد  عنه فقال إنه منكر .

قوله : " عن عمه " هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري ، سماه  مسلم  وغيره في روايتهم لهذا الحديث من طريق  ابن عيينة  ، واختلف هل هو عم عابد لأبيه أو لأمه .

قوله : " أنه شكا " كذا في روايتنا شكا بألف ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي ، وصرح بذلك  ابن خزيمة  عن  عبد الجبار بن العلاء  عن  سفيان  ولفظه عن عمه عبد الله بن زيد قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل . ووقع في بعض الروايات " شكي " بضم أوله على البناء للمفعول ، وعلى هذا فالهاء في أنه ضمير الشأن . ووقع في  مسلم  " شكي " بالضم أيضاً كما ضبطه  النووي  . وقال : لم يسم الشاكي ، قال : وجاء في رواية  البخاري  أنه الراوي . قال : ولا ينبغي أن يتوهم من هذا أن " شكى " بالفتح أي في رواية  مسلم  ، وإنما نبهت على هذا لأن بعض الناس قال إنه لم يظهر له كلام  النووي  .

قوله : " الرجل " بالضم على الحكاية . وهو وما بعده في موضع النصب .

قوله : " يخيل " بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد الياء الأخيرة المفتوحة ، وأصله من الخيال ، والمعنى يظن ، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين .

قوله : " يجد الشيء " أي الحدث خارجاً منه ، وصرح به  الإسماعيلي  ولفظه " يخيل إليه في صلاته أنه يخرج منه شيء " وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة .

قوله : " في الصلاة " تمسك بعض المالكية بظاهره فخصوا الحكم بمن كان داخل الصلاة ، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها ، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة ، والنهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها ، فلا معنى للتفريق بذلك ، لأن هذا التخيل إن كان ناقضاً خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض .

قوله : " لا ينفتل " بالجزم على النهي ، ويجوز الرفع على أن " لا " نافية .

قوله : " أو لا ينصرف " هو شك من الراوي ، وكأنه من علي ، لأن الرواة غيره رووه عن  سفيان  بلفظ لا ينصرف من غير شك .

قوله : " صوتاً " أي من مخرجه .

قوله : " أو يجد " أو للتنويع وعبر بالوجدان دون الشم ليشمل ما لو لمس المحل ثم شم يده ، ولا حجة فيه لمن استدل على أن لمس الدبر لا ينقض لأن الصورة تحمل على لمس ما قاربه لا عينه . ودل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث ، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين ، لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى قاله  الخطابي  . وقال  النووي  : هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ، ولا يضر الشك الطارئ عليها . وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء . وروي عن  مالك  النقض مطلقاً ، وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها ، وروي هذا التفصيل عن  الحسن البصري  ، والأول مشهور مذهب  مالك  قاله  القرطبي  ، وهو رواية  ابن القاسم  عنه . وروى  ابن نافع  عنه لا وضوء عليه مطلقاً كقول الجمهور ، وروى  ابن وهب  عنه : أحب إلي أن يتوضأ . ورواية التفصيل لم تثبت عنه وإنما هي لأصحابه ، وحمل بعضهم الحديث على من كان به وسواس ، وتمسك بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة ، وأجيب بما دل على التعميم ، وهو حديث أبي هريرة عند  مسلم  ولفظه ( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) وقوله : فلا يخرجن من المسجد أي من الصلاة ، وصرح بذلك  أبو داود  في روايته . وقال العراقي : ما ذهب إليه  مالك  راجح ، لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد ، وألغى الشك في السبب المبرئ ، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة وألغى الشك في الحدث الناقض لها ، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل . وجوابه أن ذلك من حيث النظر قوي ، لكنه مغاير لمدلول الحديث لأنه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقق . وقال  الخطابي  : يستدل به لمن أوجب الحد على من وجد منه ريح الخمر لأنه اعتبر وجدان الريح ورتب عليه الحكم ، ويمكن الفرق بأن الحدود تدرأ بالشبهة والشبهة هنا قائمة ، بخلاف الأول فإنه متحقق .

 

كتاب الوضوء : باب التخفيف في الوضوء

" حدثنا  علي بن عبد الله  قال : حدثنا  سفيان  عن ‏ عمرو  قال : أخبرني كريب عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ ، ثم صلى - وربما قال اضطجع حتى نفخ ثم قام فصلى . ثم حدثنا به  سفيان  مرة بعد مرة عن  عمرو  عن  كريب  عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة ليلة ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل ، فلما كان في بعض الليل قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شن معلق وضوءاً خفيفاً - يخففه عمرو ويقلله - وقام يصلي ، فتوضأت نحواً مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره - وربما قال  سفيان  : عن شماله - فحولني فجعلني عن يمينه . ثم صلى ما شاء الله ثم اضطجع فنام حتى نفخ ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة ، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ قلنا لعمرو : إن ناساً يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه ، قال عمرو : سمعت عبيد بن عمير يقول : رؤيا الأنبياء وحي . ثم قرأ " إني أرى في المنام أني أذبحك " " [ الصافات : 102 ] .

قوله : ( باب التخفيف في الوضوء ) أي جواز التخفيف .

قوله : "  سفيان  " هو  ابن عيينة  ، و عمرو  هو  ابن دينار المكي  لا البصري ، و كريب  بالتصغير من الأسماء المفردة في الصحيحين . والإسناد مكيون ، سوى علي وقد أقام بها مدة . وفيه رواية تابعي عن تابعي :  عمرو  عن  كريب  .

قوله : " وربما قال اضطجع " أي كان  سفيان  يقول تارة نام وتارة اضطجع ، وليسا مترادفين بل بينهما عموم وخصوص من وجه ، لكنه لم يرد إقامة أحدهما مقام الآخر ، بل كان إذا روى الحديث مطولاً قال اضطجع فنام كما سيأتي ، وإذا اختصره قال نام أي مضطجعاً أو اضطجع أي نائماً .

قوله : " ثم حدثنا " يعني أن  سفيان  كان يحدثهم به مختصراً ثم صار يحدثهم به مطولاً .

قوله : " ليلة فقام " كذا للأكثر ، ول ابن السكن  " فنام " بالنون بدل القاف وصوبها القاضي  عياض  لأجل قوله بعد ذلك " فلما كان في بعض الليل قام " انتهى . ولا ينبغي الجزم بخطئها لأن توجيهها ظاهر وهو أن الفاء في قوله " فلما " تفصيلية ، فالجملة الثانية وإن كان مضمونها مضمون الأولى لكن المغايرة بينهما بالإجمال والتفصيل .

قوله : " فلما كان " أي رسول الله صلى الله عليه وسلم " في بعض الليل " ول الكشميهني  " من " بدل في ، فيحتمل أن تكون بمعناها ويحتمل أن تكون زائدة وكان تامة ، أي فلما حصل بعض الليل .

قوله : " شن " بفتح المعجمة وتشديد النون أي القربة العتيقة .

قوله: " معلق " ذكر على إرادة الجلد أو الوعاء ، وقد أخرجه بعد أبواب بلفظ معلقة .

قوله : " يخففه عمرو ويقلله " أي يصفه بالتخفيف والتقليل ، وقال  ابن المنير  : يخففه أي لا يكثر الدلك ، ويقلله أي لا يزيد على مرة مرة . قال : وفيه دليل على إيجاب الدلك ، لأنه لو كان يمكن اختصاره لاختصره ، لكنه لم يختصره . انتهى . وهي دعوى مردودة ، فإنه ليس في الخبر ما يقتضي الدلك ، بل الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخف من قليل الدلك .

قوله : " نحواً مما توضأ " قال  الكرماني  : لم يقل مثلاً لأن حقيقة مماثلته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها غيره انتهى . وقد ثبت في هذا الحديث كما سيأتي بعد أبواب " فقمت فصنعت مثل ما صنع " ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة .

قوله : " فآذنه " بالمد أي أعلمه ، ول المستملي  " فناداه " .

قوله : " فصلى ولم يتوضأ " فيه دليل على أن النوم ليس حدثاً بل مظنة الحدث لأنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عينه ولا ينام قلبه فلو أحدث لعلم بذلك ، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم وربما لم يتوضأ ، قال  الخطابي  : وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه .

قوله : " قلنا " القائل  سفيان  ، والحديث المذكور صحيح كما سيأتي من وجه آخر ، و عبيد بن عمير  من كبار التابعين ، ولأبيه عمير بن قتادة صحبة . وقوله : " رؤيا الأنبياء وحي " رواه  مسلم  مرفوعاً ، وسيأتي في التوحيد من رواية  شريك  عن أنس . ووجه الاستدلال بما تلاه من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحياً لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده . وأغرب  الداودي  الشارح فقال : قول  عبيد بن عمير  لا تعلق له بهذا الباب . وهذا إلزام منه ل البخاري  بأن لا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط ، ولم يشترط ذلك أحد . وإن أراد أنه لا يتعلق بحديث الباب أصلاً فممنوع والله أعلم . وسيأتي بقية مباحث هذا الحديث في كتاب الوتر من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى .

كتاب الوضوء : باب إسباغ الوضوء

وقال ابن عمر : إسباغ الوضوء الإنقاء .

" حدثنا  عبد الله بن مسلمة  عن  مالك  عن  موسى بن عقبة  عن  كريب  مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء . فقلت : الصلاة يا رسول الله . فقال : الصلاة أمامك فركب . فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلى ، ولم يصل " .

قوله : ( باب إسباغ الوضوء ) الإسباغ في اللغة الإتمام ، ومنه درع سابغ .

قوله : ( وقال ابن عمر ) هذا التعليق وصله  عبد الرزاق  في مصنفه بإسناد صحيح ، وهو من تفسير الشيء بلازمه ، إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة ، وقد روى  ابن المنذر  بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات ، وكأنه بالغ فيهما دون غيرهما لأنهما محل الأوساخ غالباً لاعتيادهم المشي حفاة والله أعلم .

قوله : " حدثنا  عبد الله بن مسلمة  " هو  القعنبي  ، والحديث في  الموطأ  ، والإسناد كله مدنيون ، وفيه رواية تابعي عن تابعي :  موسى  عن  كريب  ، وأسامة بن زيد أي ابن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له لأبيه وجده صحبة . وستأتي مناقبه في مكانها إن شاء الله تعالى .

قوله : " دفع من عرفة " أي أفاض .

قوله : " بالشعب " بكسر الشين المعجمة هو الطريق في الجبل ، واللام فيه للعهد .

قوله : " ولم يسبغ الوضوء " أي خففه ، ويأتي فيه ما تقدم في توجيه الحديث الماضي .

قوله : " فقلت الصلاة " هو بالنصب على الإغراء ، أو على الحذف ، والتقدير أتريد الصلاة ؟ ويؤيده قوله في رواية تأتي " فقلت أتصلي يا رسول الله " ويجوز الرفع ، والتقدير حانت الصلاة .

قوله : " قال الصلاة " هو بالرفع على الابتداء ، وأمامك بفتح الهمزة خبره . وفيه دليل على مشروعية الوضوء للدوام على الطهارة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل بذلك الوضوء شيئاً ، وأما من زعم أن المراد بالوضوء هنا الاستنجاء فباطل ، لقوله في الرواية الأخرى " فجعلت أصب عليه وهو يتوضأ " ولقوله هنا " ولم يسبغ الوضوء " .

قوله : " نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء " فيه دليل على مشروعية إعادة الوضوء من غير أن يفصل بينهما بصلاة ، قاله  الخطابي  ، وفيه نظر لاحتمال أن يكون أحدث .

( فائدة ) : الماء الذي توضأ به صلى الله عليه وسلم ليلتئذ كان من ماء زمزم ، أخرجه  عبد الله بن أحمد بن حنبل  في زيادات مسند أبيه بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب ، فيستفاد منه الرد على من منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب . وسيأتي بقية مباحث هذا الحديث في كتاب الحج إن شاء الله تعالى .

 

كتاب الوضوء : باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة

" حدثنا  محمد بن عبد الرحيم  قال : أخبرنا  أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة  قال : أخبرنا  ابن بلال  - يعني سليمان - عن  زيد بن أسلم  عن  عطاء بن يسار  عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه ، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق ، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى ، ثم مسح برأسه ، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله - يعني اليسرى - ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ " .

قوله : ( باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة ) مراده بهذا التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعاً ، والإشارة إلى تضعيف الحديث الذي فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسل وجهه بيمينه . وجمع  الحليمي  بينهما بأن هذا حيث كان يتوضأ من إناء يصب منه بيساره على يمينه ، والآخر حيث كان يغترف ، لكن سياق الحديث يأباه ، لأن فيه أنه بعد أن تناول الماء بإحدى يديه أضافه إلى الأخرى وغسل بهما .

قوله : " حدثنا  محمد بن عبد الرحيم  " هو  أبو يحيى  المعروف بصاعقة ، وكان أحد الحفاظ ، وهو من صغار شيوخ  البخاري  من حيث الإسناد ، وشيخه  منصور  كان أحد الحفاظ أيضاً ، وقد أدركه  البخاري  لكنه لم يلقه . وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي :  زيد  عن  عطاء  .

قوله : " أنه توضأ " زاد  أبو داود  في أوله من طريق  هشام بن سعد  " عن زيد بن أسلم أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ؟ فدعا بإناء فيه ماء " . ول النسائي  من طريق  محمد بن عجلان  عن زيد في أول الحديث " توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرف غرفة " .

قوله : " فغسل وجهه " الفاء تفصيلية لأنها داخلة بين المجمل والمفصل .

قوله : " أخذ غرفة " وهو بيان الغسل وظاهره أن المضمضة والاستنشاق من جملة غسل الوجه ، لكن المراد بالوجه أولاً ما هو أعم من المفروض والمسنون ، بدليل أنه أعاد ذكره ثانياً بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغرفة مستقلة ، وفيه دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة ، وغسل الوجه باليدين جميعاً إذا كان بغرفة واحدة لأن اليد الواحدة قد لا تستوعبه .

قوله : " أضافها " بيان لقوله فجعل بها هكذا .

قوله : " فغسل بها " أي بالغرفة : ول الأصيلي  و كريمة  " فغسل بهما " أي باليدين .

قوله : " ثم مسح برأسه " لم يذكر لها غرفة مستقلة ، فقد يتمسك به من يقول بطهورية الماء المستعمل ، لكن في رواية  أبي داود  " ثم قبض قبضة من الماء ، ثم نفض يده ، ثم مسح رأسه " زاد  النسائي  من طريق  عبد العزيز الدراوردي  عن زيد " وأذنيه مرة واحدة " ومن طريق  ابن عجلان  " باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بابهاميه " وزاد  ابن خزيمة  من هذا الوجه " وأدخل إصبعيه فيهما " .

قوله : " فرش " أي سكب الماء قليلاً إلى أن صدق عليه مسمى الغسل .

قوله : " حتى غسلها " صريح في أنه لم يكتف بالرش ، وأما ما وقع عند  أبي داود  و الحاكم  " فرش على رجله اليمنى وفيها النعل ، ثم مسحها بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل " فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ في النعل كما سيأتي عند المصنف من حديث ابن عمر ، وأما قوله : " تحت النعل " فإن لم يحمل على التجوز عن القدم وإلا فهي رواية شاذة وراويها  هشام بن سعد  لا يحتج بما تفرد به فكيف إذا خالف .

قوله : " فغسل بها رجله يعني اليسرى " قائل : ( يعني ) هو  زيد بن أسلم  أو من دونه ، واستدل  ابن بطال  بهذا الحديث على أن الماء المستعمل طهور ، لأن العضو إذا غسل مرة واحدة فإن الماء الذي يبقى في اليد منها يلاقي ماء العضو الذي يليه . وأيضاً فالغرفة تلاقي أول جزء من أجزاء كل عضو فيصير مستعملاً بالنسبة إليه . وأجيب بأن الماء ما دام متصلاً باليد مثلاً لا يسمى مستعملاً حتى ينفصل ، وفي الجواب بحث .

( تنبيه ) : ذكر  ابن التين  أنه رواه بلفظ ( فعل بها رجله ) بالعين المهملة واللام المشددة قال : فلعله على الرجلين بمنزلة العضو الواحد فعد الغسلة الثانية تكريراً لأن العل هو الشرب الثاني انتهى ، وهو تكلف ظاهر ، والحق أنها تصحيف .

 

كتاب الوضوء : باب التسمية على كل حال ، وعند الوقاع

" حدثنا  علي بن عبد الله  قال : حدثنا  جرير  عن  منصور  عن  سالم بن أبي الجعد  عن  كريب  عن ابن عباس يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فقضي بينهما ولد لم يضره " .

قوله : ( باب التسمية على كل حال وعند الوقاع ) أي الجماع ، وعطفه عليه من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، وليس العموم ظاهراً من الحديث الذي أورده ، لكن يستفاد من باب الأولى لأنه إذا شرع في حلة الجماع وهي مما أمر فيه بالصمت فغيره أولى . وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين الخلاء والوقاع ، لكن على تقدير صحته لا ينافي حديث الباب لأنه يحمل على حال إرادة الجماع كما سيأتي في الطريق الأخرى . ويقيد ما أطلقه المصنف ما رواه  ابن أبي شيبة  من طريق  علقمة  عن ابن مسعود ( وكان إذا غشي أهله فأنزل قال : اللهم لا تجعل الشيطان فيما رزقتني نصيباً ) .

قوله : "  جرير  " هو  ابن عبد الحميد  ، و منصور  هو  ابن المعتمر  من صغار التابعين ،وفي الإسناد ثلاثة من التابعين .

قوله : " فقضي بينهم " كذا ل المستملي  و الحموي  ، وللباقين " بينهما " وهو أصوب ، ويحمل الأول على أن أقل الجمع اثنان ،وسيأتي مباحث هذا الحديث في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى . وأفاد  الكرماني  أنه رأى في نسخة فرئت على  الفربري  قيل ل أبي عبد الله  يعني المصنف : من لا يحسن العربية يقولها بالفارسية ؟ قال : نعم .

 

كتاب الوضوء : باب ما يقول عند الخلاء

" حدثنا  آدم  قال : حدثنا  شعبة  عن  عبد العزيز بن صهيب  قال : سمعت أنساً يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " .

تابعه  ابن عرعرة  عن  شعبة  . وقال  غندر  عن  شعبة  : " إذا أتى الخلاء " وقال موسى عن حماد " إذا دخل " . وقال سعيد بن زيد : حدثنا  عبد العزيز  " إذا أراد أن يدخل " .

قوله : ( باب ما يقول عند الخلاء ) أي عند إرادة الدخول في الخلاء إن كان معداً لذلك وإلا فلا تقدير .

( تنبيه ) : أشكل إدخال هذا الباب والأبواب هذا الباب والأبواب التي بعده إلى باب الوضوء مرة مرة ، لأنه شرع في أبواب الوضوء فذكر منها فرضه وشرطه وفضيلته وجواز تخفيفه واستحباب إسباغه ثم غسل الوجه ثم التسمية ولا أثر لتأخيرها عن غسل الوجه لأن محلها مقارنة أول جزء منه ، فتقديمها في الذكر عنه وتأخيرها سواء ، لكن ذكر بعدها القول عند الخلاء ، واستمر في ذكر ما يتعلق بالاستنجاء ، ثم رجع فذكر الوضوء مرة مرة ، وقد خفي وجه المناسبة على  الكرماني  فاستروح قائلاً : ما وجه الترتيب بين هذه الأبواب مع أن التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده ، ثم توسيط أبواب الخلاء بين أبواب الوضوء ؟ وأجاب بقوله : قلت  البخاري  لا يراعي حسن الترتيب ، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بصحيحه لا غير انتهى . وقد أبطل هذا الجواب في كتاب التفسير فقال لما ناقش  البخاري  في أشياء ذكرها من تفسير بعض الألفاظ بما معناه : لو ترك  البخاري  هذا لكان أولى ، لأنه ليس من موضوع كتابه ، وكذلك قال في مواضع أخر إذا لم يظهر له توجيه ما يقوله  البخاري  ، مع أن  البخاري  في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن ك أبي عبيدة  و النضر بن شميل  و الفراء  وغيرهم ، وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من  الشافعي  و أبي عبيدة  وأمثالهما ، وأما المسائل الكلامية فأكثرها من  الكرابيسي  و ابن كلاب  ونحوهما . والعجب من دعوى  الكرماني  أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب ، مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره ، حتى قال جمع من الأئمة : فقه  البخاري  في تراجمه . وقد أبديت في هذا الشرح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خفاء به ، وقد أمعنت النظر في هذا الموضع فوجدته في بادئ الرأي يظن الناظر فيه أنه لم يعتن بترتيبه كما قال  الكرماني  ، لكنه اعتنى بترتيب كتاب الصلاة اعتناء تاماً كما سأذكره هناك ، وقد يتلمح أنه ذكر أولاً فرض الوضوء كما ذكرت ، وأنه شرط لصحة الصلاة ، ثم فضله وأنه لا يجب إلا مع التيقن ، وأن الزيادة فيه على إيصال الماء إلى العضو ليس بشرط . وأن ما زاد على ذلك من الإسباغ فضل . ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة ، وأن التسمية مع أوله مشروعة كما يشرع الذكر عند دخول الخلاء ، فاستطرد من هنا لآداب الاستنجاء وشرائطه ، ثم رجع لبيان أن واجب الوضوء المرة الواحدة وأن الثنتين والثلاث سنة . ثم ذكر سنة الاستنثار فترجم به لأنه من جملة التنظف ، ثم رجع إلى حكم التخفيف فترجم بغسل القدمين لا بمسح الخفين إشارة إلى أن التخفيف لا يكفي فيه المسح دون مسمى الغسل ، ثم رجع إلى المضمضة لأنها أخت الاستنشاق ، ثم استدرك بغسل العقبين لئلا يظن أنهما لا يدخلان في مسمى القدم ، وذكر غسل الرجلين في النعلين رداً على من قصر في سياق الحديث المذكور فاقتصر على النعلين على ما سأبينه . ثم ذكر فضل الابتداء باليمين ، ومتى يجب طلب الماء للوضوء . ثم ذكر حكم الماء الذي يستعمل وما يوجب الوضوء . ثم ذكر الاستعانة في الوضوء . ثم ما يمتنع على من كان على غير وضوء ، واستمر على ذلك إذا ذكر شيئاً من أعضاء الوضوء استطرد منه إلى ما له به تعلق لمن يمعن التأمل ، إلى أن أكمل كتاب الوضوء على ذلك . وسلك في ترتيب الصلاة أسهل من هذا المسلك فأورد أبوابها ظاهرة التناسب في الترتيب ، فكأنه تفنن في ذلك والله أعلم .

قوله : " الخبث " بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية ، وقال  الخطابي  : إنه لا يجوز غيره ، وتعقب بأنه يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه ككتب وكتب ، قال  النووي  : وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم  أبو عبيدة  ، إلا أن يقال إن ترك التخيف أولى لئلا يشتبه بالمصدر . والخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة ، يريد ذكران الشياطين وإناثهم قاله  الخطابي  و ابن حبان  وغيرهما ، ووقع في نسخة  ابن عساكر  : قال  أبو عبد الله  - يعني -  البخاري  - ويقال الخبث أي بإسكان الموحدة ، فإن كانت مخففة عن الحركة فقد تقدم توجيهه ، وإن كان بمعنى المفرد فمعناه كما قال  ابن الأعرابي  : المكروه ، قال : فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان من الملل فهو الكفر ، وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار ، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب ، ولهذا وقع في رواية  الترمذي  وغيره " أعوذ بالله من الحبث والخبيث " أو " الخبث والخبائث " هكذا على الشك ، الأول بإسكان مع الإفراد ، والثاني بالتحريك مع الجمع ، أي من الشيء المكروه ومن الشيء المذموم ، أو من ذكران الشياطين وإناثهم . وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ إظهاراً للعبودية ، ويجهر بها للتعليم . وقد روى  العمري  هذا الحديث من طريق  عبد العزيز بن المختار  عن  عبد العزيز بن صهيب  بلفظ الأمر قال : " إذا دخلتم الخلاء فقولوا : بسم الله ، أعوذ بالله من الخبث والخبائث " وإسناده على شرط  مسلم  ، وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية .

قوله : ( تابعه  ابن عرعرة  ) اسمه  محمد  ، وحديثه عند المصنف في الدعوات .

قوله : ( وقال :  غندر  ) هذا التعليق وصله  البزار  في مسنده عن  محمد بن بشار بندار  عن  غندر  بلفظه ، ورواه  أحمد بن حنبل  عن  غندر  بلفظ إذا دخل .

قوله : ( وقال  موسى  ) هو  ابن إسماعيل التبوذكي  .

قوله : ( عن  حماد  ) هو  ابن سلمة  يعني  عبد العزيز بن صهيب  ، وطريق  موسى  هذا وصلها  البيهقي  باللفظ المذكور .

قوله : ( وقال  سعيد بن زيد  ) هو أخو  حماد بن زيد  ، وروايته هذه وصلها المؤلف في الأدب المفرد قال : حدثنا  أبو النعمان  حدثنا  سعيد بن زيد  حدثنا  عبد العزيز بن صهيب  قال : حدثني أنس قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء قال " ... فذكر مثل حديث الباب ، وأفادت هذه الرواية تبين المراد من قوله : " إذا دخل الخلاء " أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده . والله أعلم . وهذا في الأمكنة المعدة لذلك بقرينة الدخول ، ولهذا قال  ابن بطال  : رواية " إذا أتى " أعم لشمولها انتهى . والكلام هنا في مقامين : أحدهما هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضرها الشياطين كما ورد في حديث  زيد بن أرقم  في السنن ، أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلاً في جانب البيت ؟ الأصح الثاني ما لم يشرع في قضاء الحاجة . الثاني متى يقول ذلك ؟ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصل : أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها ، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلاً وهذا مذهب الجمهور ، وقالوا فيمن نسي : يستعيذ بقلبه لا بلسانه . ومن يجيز مطلقاً كما نقل عن  مالك  لا يحتاج إلى تفصيل .

( تنبيه ) :  سعيد بن زيد  الذي أتى بالرواية المبينة صدوق تكلم بعضهم في حفظه ، وليس له في  البخاري  غير هذا الموضع المعلق ، لكن لم ينفرد بهذا اللفظ ، فقد رواه  مسدد  عن  عبد الوارث  عن  عبد العزيز  مثله ، وأخرجه  البيهقي  من طريقه وهو على شرط  البخاري  .

كتاب الوضوء : باب وضع الماء عند الخلاء

" حدثنا  عبد الله بن محمد  قال : حدثنا  هاشم بن القاسم  قال : حدثنا  ورقاء  عن  عبيد الله بن أبي يزيد  عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء فوضعت له وضوءاً . قال : من وضع هذا ؟ فأخبر ، فقال : اللهم فقهه في الدين " .

قوله : ( باب وضع الماء عن الخلاء ) هو بالمد ،وحقيقته المكان الخالي ، واستعمل في المكان المعد لقضاء الحاجة مجازاً .

قوله : " ورقاء " هو ابن عمر .

قوله : " عن  عبيد الله  " بالتصغير ( ابن أبي يزيد ) مكي ثقة لا يعرف اسم أبيه ، ووقع في رواية  الكشميهني  ابن أبي زائدة وهو غلط .

قوله : " فوضعت له وضوءاً " بفتح الواو أي ماء ليتوضأ به ، وقيل يحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به ، وفيه نظر .

قوله : " فأخبر " تقدم في كتاب العلم أن ميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس هي المخبرة بذلك ، قال  التيمي  : فيه استحباب المكافأة بالدعاء . وقال  ابن المنير  : مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء من جهة أنه تردد بين ثلاثة أمور : إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء ، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب ، أو لا يفعل شيئاً ، فرأي الثاني أوفق ، لأن في الأول تعرضاً للاطلاع ، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء ، والثاني أسهلها ، ففعله يدل على ذكائه ، فناسب أن يدعي له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع ، وكذا كان . وقد تقدمت باقي مباحثه في كتاب العلم .

 

كتاب الوضوء : باب لا تستقبل القبلة ببول ولا غائط ، إلا عند البناء : جدار أو نحوه

" حدثنا  آدم  قال : حدثنا  ابن أبي ذئب  قال : حدثني  الزهري  عن  عطاء بن يزيد الليثي  عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره ، شرقوا أو غربوا " .

قوله : ( باب لا تستقبل القبلة ) في روايتنا بضم المثناة على البناء للمفعول وبرفع القبلة ، وفي غيرها بفتح الباء التحتانية على البناء للفاعل ونصب القبلة ، ولام تستقبل مضمومة على أن لا نافية ، ويجوز كسرها على أنها ناهية .

قوله : ( إلا عند البناء جدار أو نحوه ) ول الكشميهني  ( أو غيره ) أي كالأحجار الكبار والسواري والخشب وغيرها من السواتر . قال  الإسماعيلي  : ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور ، وأجيب بثلاثة أجوبة : أحدها أنه تمسك بحقيقة الغائط لأنه المكان المطمئن من الأرض في الفضاء ، وهذه حقيقته اللغوية ، وإن كان قد صار يطلق على كل مكان أعد لذلك مجازاً فيختص النهي به ، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة ، وهذا الجواب ل الإسماعيلي  وهو أقواها . ثانيها أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء ، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفاً قاله  ابن المنير  ، ويتقوى بأن الأمكنة المعدة ليست صالحة لأن يصلى فيها فلا يكون فيها قبلة بحال ، وتعقب بأنه يلزم منه أن لا تصح صلاة من بينه وبين الكعبة مكان لا يصلح للصلاة ، وهو باطل ، ثالثها الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر المذكور في الباب الذي بعده ، لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم كله كأنه شيء واحد قاله  ابن بطال  وارتضاه  ابن التين  وغيره ، لكن مقتضاه أن لا يبقى لتفصيل التراجم معنى ، فإن قيل لم حملتم الغائط على حقيقته ولم تحملوه على ما هو أعم من ذلك ليتناول الفضاء والبنيان ، لا سيما والصحابي راوي الحديث قد حمله على العموم فيهما لأنه قال - كما سيأتي عند المصنف في باب قبلة أهل المدينة في أوائل الصلاة - فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر ، فالجواب أن أبا أيوب أعمل لفظ الغائط في حقيقته ومجازه وهو المعتمد ، وكأنه لم يبلغه حديث التخصيص ، ولولا أن حديث ابن عمر دل على تخصيص ذلك بالأبنية لقلنا بالتعميم ، لكن العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، وقد جاء عن جابر فيما رواه  أحمد  و أبو داود  و ابن خزيمة  وغيرهم تأييد ذلك ، ولفظه عند  أحمد  " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هرقنا الماء . قال : ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة " ، والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافاً لمن زعمه ، بل هو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه ، لأن ذلك هو المعهود من حاله صلى الله عليه وسلم لمبالغته في التستر ، ورؤية ابن عمر له كانت عن غير قصد كما سيأتي فكذا رواية جابر ، ودعوى خصوصية ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم لا دليل عليها إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال ، ودل حديث ابن عمر الآتي على جواز استدبار القبلة في الأبنية ، وحديث جابر على جواز استقبالها ، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط ، ولا يقال يلحق به الاستقبال قياساً ، لأنه لا يصح إلحاقه به لكونه فوقه ، وقد تمسك به قوم فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال حكي عن  أبي حنيفة  و أحمد  بالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقاً ، قال الجمهور : وهو مذهب  مالك  و الشافعي  و إسحاق  ، وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة ، ويؤيده من جهة النظر ما تقدم عن  ابن المنير  أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفاً . وبأن الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة ، بخلاف الصحراء فيهما . وقال قوم بالتحريم مطلقاً ، وهو المشهور عن  أبي حنيفة  و أحمد  ، وقال به  أبو ثور  صاحب  الشافعي  ، ورجحه من المالكية  ابن العربي  ، ومن الظاهرية  ابن حزم  ، وحجتهم أن النهي مقدم على الإباحة ، ولم يصححه حديث جابر الذي أشرنا إليه . وقال قوم بالجواز مطلقاً ، وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود ، واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فليرجع إلى أصل الإباحة . فهذه المذاهب الأربعة مشهورة عن العلماء ، ولم يحك  النووي  في  شرح المهذب  غيرها . وفي المسألة ثلاثة مذاهب أخرى : منها جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكاً بظاهر حديث ابن عمر ، وهو قول  أبي يوسف  . ومنها التحريم مطلقاً حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس ، وهو محكي عن  إبراهيم  و ابن سيرين  عملاً بحديث  معقل الأسدي  " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط " رواه  أبو داود  وغيره ، وهو حديث ضعيف لأن فيه راوياً مجهول الحال . وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها ، لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس ، وقد ادعى  الخطابي  الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة ، ومنها أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها ، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقاً لعموم قوله : " شرقوا أو غربوا " قاله  أبو عوانة  صاحب  المزني  ، وعكسه  البخاري  فاستدل به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة كما سيأتي في باب قبلة أهل المدينة من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى .

قوله : " فلا يستقبل " بكسر اللام لأن ( لا ) ناهية واللام في القبلة للعهد أي للكعبة .

قوله : " ولا يولها ظهره " ول مسلم  " ولا يستدبرها " وزاد " ببول أو بغائط " والغائط الثاني غير الأول ، أطلق على الخارج من الدبر مجازاً من إطلاق اسم المحل على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه ، وحصل من ذلك جناس تام ، والظاهر من قوله " ببول " اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة ، ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة ، ويؤيده قوله في حديث جابر " إذا هرقنا الماء " . وقيل مثار النهي كشف العورة ، وعلى هذا فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلاً ، وقد نقله  ابن شاش المالكي  قولاً في مذهبهم وكأن قائله تمسك برواية في  الموطأ  " لا تستقبلوا القبلة بفروجكم " ولكنها محمولة على المعنى الأول أي حال قضاء الحاجة جمعاً بين الروايتين والله أعلم . وسيأتي الكلام على قول أبي أيوب ( فننحرف ونستغفر ) حيث أورده المصنف في أوائل الصلاة إن شاء الله تعالى .

 

كتاب الوضوء : باب من تبرز على لبنتين

" حدثنا  عبد الله بن يوسف  قال : أخبرنا  مالك  عن  يحيى بن سعيد  عن  محمد بن يحيى بن حبان  عن عمه  واسع بن حبان  عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول : إن ناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس . فقال عبد الله بن عمر : لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته . وقال : لعلك من الذين يصلون على أوراكهم ، فقلت : لا أدري والله " .

قال  مالك  يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض ، يسجد وهو لاصق بالأرض .

قوله : ( باب من تبرز ) بوزن تفعل من البراز بفتح الموحدة وهو الفضاء الواسع ، كنوا به عن الخارج من الدبر كما تقدم في الغائط .

قوله : ( على لبنتين ) بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون تثنية لبنة وهي ما يصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق .

قوله : "  يحيى بن سعيد  " هو الأنصاري المدني التابعي ، وكذا شيخه وشيخ شيخه في الأوصاف الثلاثة ، ولكن قيل إن لواسع رؤية فذكر لذلك في الصحابة ، و أبو حبان  هو  ابن منقذ بن عمر  له ولأبيه صحبة ، وقد تقدم في المقدمة أنه بفتح المهملة وبالموحدة .

قوله : " أنه كان يقول " أي ابن عمر كما صرح به  مسلم  في روايته ، وسيأتي لفظه قريباً ، فأما من زعم أن الضمير يعود على واسع فهو وهم منه وليس قوله " فقال ابن عمر " جواباً لواسع ، بل الفاء في قوله " فقال " سببية ، لأن ابن عمر أورد القول الأول منكراً له ، ثم بين سبب إنكاره بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان يمكنه أن يقول : فلقد رأيت إلخ ولكن الراوي عنه - وهو واسع - أراد التأكيد بإعادة قوله : " قال عبد الله بن عمر " .

قوله : " أن ناساً " يشير بذلك إلى من كان يقول بعموم النهي كما سبق ، وهو مروي عن أبي أيوب وأبي هريرة ومعقل الأسدي وغيرهم .

قوله : " إذا قعدت " ذكر القعود لكونه الغالب وإلا فحال القيام كذلك .

قوله : " على حاجتك " كنى بهذا عن التبرز ونحوه .

قوله : " لقد " اللام جواب قسم محذوف .

قوله : " على ظهر بيت لنا " وفي رواية  يزيد  الآتية " على ظهر بيتنا " وفي رواية عبيد الله بن عمر الآتية " على ظهر بيت حفصة " أي أخته كما صرح به في رواية  مسلم  ، ول ابن خزيمة  " دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت " . وطريق الجمع أن يقال : إضافته البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته فله منه سبب ، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي صلى الله عليه وسلم فيه واستمر في يدها إلى أن ماتت فورث عنها ، وسيأتي انتزاع المصنف ذلك من هذا الحديث في كتاب الخمس إن شاء الله تعالى ، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب .

قوله : " على لبنتين " ول ابن خزيمة  " فأشرفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على خلائه " وفي رواية له : " فرأيته يقضي حاجته محجوباً عليه بلبن " ول الحكيم الترمذي  بسند صحيح " فرأيته في كنيف " وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية ثم فاء . وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقاً : يحتمل أن يكون رآه في الفضاء . وكونه رآه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض ، ويرد هذا الاحتمال أيضاً أن ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بسائر كما رواه  أبو داود  و الحاكم  بسند لا بأس به ، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الآتية فحانت منه التفاته كما في رواية ل البيهقي  من طريق  نافع  عن ابن عمر . نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة من غير قصد أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة فحفظ هذا الحكم الشرعي . وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور ، ودل ذلك على شدة حرص الصحابي على تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ليتبعها ، وكذا كان رضي الله عنه .

قوله : " وقال " أي ابن عمر " لعلك " ، الخطاب لواسع ، وغلط من زعم أنه مرفوع . وقد فسر  مالك  المراد بقوله : " يصلون على أوراكهم " أي من يلصق بطنه بوركيه إذا سجد ، وهو خلاف هيئة السجود المشروعة وهي التجافي كما سيأتي بيانه في موضعه ، وفي النهاية : وفسر بأنه يفرج ركبتيه فيصير معتمداً على وركيه . وقد استشكلت مناسبة ذكر ابن عمر لهذا مع المسألة السابقة فقيل : يحتمل أن يكون أراد بذلك أن الذي خاطبه لا يعرف السنة ، إذ لو كان عارفاً بها لعرف الفرق بين الفضاء وغيره ، أو الفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس ، وإنما كنى عمن لا يعرف السنة بالذي يصلي على وركيه لأن من يفعل ذلك لا يكون إلا جاهلاً بالسنة ، وهذا الجواب ل الكرماني  ، ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وليس في السياق أن واسعاً سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفتها . ثم الحصر الأخير مردود ، لأنه قد يسجد على وركيه من يكون عارفاً بسنن الخلاء ، والذي يظهر في المناسبة ما دل عليه سياق  مسلم  ، ففي أوله عنده عن  واسع  قال : ( كنت أصلي في المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس ، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقي ، فقال عبد الله : يقول الناس ) فذكر الحديث ، فكأن ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئاً لم يتحققه فسأله عنه بالعبارة المذكورة ، وكأنه بدأ بالقصة الأولى لأنها من روايته المرفوعة المحققة عنده فقدمها على ذلك الأمر المظنون ، ولا يبعد أن يكون قريب العهد بقول من نقل عنهم ما نقل فأحب أن يعرف الحكم لهذا التابعي لينقله عنه ، على أنه لا يمتنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما وأن لإحداهما بالأخرى تعلقاً بأن يقال : لعل الذي كان يسجد وهو لاصق بطنه بوركيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه في كل حالة كما قدمنا في الكلام على مثار النهي . وأحوال الصلاة أربعة : قيام وركوع وسجود وقعود ، وانضمام الفرج فيها بين الوركين ممكن إلا إذا جافى في السجود فرأى أن في الإلصاق ضماً للفرج ففعله ابتداعاً وتنطعاً ، والسنة بخلاف ذلك ، والتستر بالثياب كاف في ذلك ، كما أن الجدار كاف في كونه حائلاً بين العورة والقبلة إن قلنا إن مثار النهي الاستقبال بالعورة ، فلما حدث ابن عمر التابعي بالحكم الأول أشار له إلى الحكم الثاني منبهاً له على ما ظنه منه في تلك الصلاة التي رآه صلاها . وأما قول واسع ( لا أدري ) فدال على أنه لا شعور عنده بشيء مما ظنه به ، ولهذا يغلظ ابن عمر له في الزجر . والله أعلم .

 

كتاب الوضوء : باب خروج النساء إلى البراز

" حدثنا  يحيى بن بكير  قال : حدثنا  الليث  قال : حدثني  عقيل  عن  ابن شهاب  عن  عروة  عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - فكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك . فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل . فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاءً ، وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة . حرصاً على أن ينزل الحجاب . فأنزل الله آية الحجاب " .

قوله : ( باب خروج النساء إلى البراز ) أي الفضاء كما تقدم ، وهو بفتح الموحدة ثم راء وبعد الألف زاي . قال  الخطابي  . أكثر الرواة يقولونه بكسر أوله ، وهو غلط لأن البراز بالكسر هو المبارزة في الحرب . قلت : بل هو موجه لأنه يطلق بالكسر على نفس الخارج ، قال  الجوهري  : البراز المبارزة في الحرب ، والبراز أيضاً كناية عن تفل الغذاء وهو الغائط ، والبراز بالفتح الفضاء الواسع انتهى . فعلى هذا من فتح أراد الفضاء ، فإن أطلقه على الخارج فهو من إطلاق اسم المحل على الحال كما تقدم مثله في الغائط ، ومن كسر أراد نفس الخارج .

قوله : " حدثنا  يحيى بن بكير  " تقدم هذا الإسناد برمته في بدء الوحي ، وفيه تابعيان  عروة  و ابن شهاب  ، وقرينان  الليث  و عقيل  .

قوله : " المناصع " بالنون وكسر الصاد المهملة بعدها عين مهملة جمع منصع بوزن مقعد وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع ، قال  الداودي  : سميت بذلك لأن الإنسان ينصع فيها أي يخلص . والظاهر أن التفسير مقول عائشة . والأفيح بالحاء المهملة المتسع .

قوله : " احجب " أي امنعهن من الخروج من بيوتهن ، بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال كما سيأتي قريباً . ويحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضاً أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر فلم يجب لأجل الضرورة ، وهذا أظهر الاحتمالين . وقد كان عمر يعد نزول آية الحجاب من موافقاته كما سيأتي في تفسير سورة الأحزاب ، وعلى هذا فقد كان لهن في التستر عند قضاء الحاجة حالات : أولها بالظلمة لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار كما قالت عائشة في هذا الحديث " كن يخرجن بالليل " وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك " فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ، وهو متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل " انتهى . ثم نزل الحجاب فتسترن بالثياب ،لكن كانت أشخاصهن ربما تتميز ، ولهذا قال عمر لسودة في المرة الثانية بعد نزول الحجاب : أما والله ما تخفين علينا . ثم اتخذت الكنف في البيوت فتسترت بها كما في حديث عائشة في قصة الإفك أيضاً فإن فيها ( وذلك قبل أن تتخذ الكنف ) ، وكان قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب كما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى .

قوله : " فأنزل الله الحجاب " ول المستملي  " آية الحجاب " زاد  أبو عوانة  في صحيحه من طريق  الزبيدي  عن  ابن شهاب  " فأنزل الله الحجاب " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي " الآية " ، وسيأتي في تفسير الأحزاب أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لما أولم عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت واستحيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج فنزلت آية الحجاب ، وسيأتي أيضاً " حديث عمر قلت : يا رسول الله إن نساءك يدخلن عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت آية الحجاب " ، وروى  ابن جرير  في تفسيره من طريق  مجاهد  قال : " بينا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت آية الحجاب " . وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت ، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية ، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى : " يدنين عليهن من جلابيبهن " .

" حدثنا  زكرياء  قال : حدثنا  أبو أسامة  عن  هشام بن عروة  عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قد أذن أن تخرجن في حاجتكن " قال  هشام  : يعني البراز .

قوله : " حدثنا  زكريا  " هو  ابن يحيى  . وسيأتي حديثه هذا في التفسير مطولاً ، ومحصله أن سودة خرجت بعدما ضرب الحجاب لحاجتها - وكانت عظيمة الجسم - فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة ، أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين . فرجعت فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتعشى ، فأوحي إليه ، فقال : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن . قال  ابن بطال  : فقه هذا الحديث أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهن الحاجة إليه من مصالحهن ، وفيه مراجعة الأدنى للأعلى فيما يتبين له أنه الصواب وحيث لا يقصد التعنت ، وفيه منقبة لعمر ، وفيه جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق للضرورة ، وجواز الإغلاظ في القول لمن يقصد الخير ، وفيه جواز وعظ الرجل أمه في الدين لأن سودة من أمهات المؤمنين ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية ، لأنه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية ، وكذا في إذنه لهن بالخروج . والله أعلم .

 

كتاب الوضوء : باب التبرز في البيوت

" حدثنا  إبراهيم بن المنذر  قال : حدثنا  أنس بن عياض  عن  عبيد الله  عن  محمد بن يحيى بن حبان  عن  واسع بن حبان  عن عبد الله بن عمر قال : ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشأم " .

قوله : ( باب التبرز في البيوت ) عقب المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء للبراز لم يستمر ، بل اتخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة .

قوله : "  عبيد الله  " أي ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وهو تابعي صغير من فقهاء أهل المدينة وأثباتهم ، والإسناد كله مدنيون .

" حدثنا  يعقوب بن إبراهيم  قال : حدثنا  يزيد بن هارون  قال : أخبرنا  يحيى  عن  محمد بن يحيى بن حبان  أن عمه  واسع بن حبان  أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره قال : لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً على لبنتين مستقبل بيت المقدس " .

قوله : " حدثنا  يعقوب بن إبراهيم  " هو  الدورقي  ، و يزيد  هو  ابن هارون  كما لأبي ذر و الأصيلي  ، و يحيى  هو  ابن سعيد الأنصاري  الذي روى  مالك  عنه هذا الحديث كما تقدم . ولم يقع في رواية  يحيى  " مستدبر القبلة " أي الكعبة كما في رواية عبيد الله بن عمر لأن ذلك من لازم من استقبل الشام بالمدينة ، وإنما ذكرت في رواية عبيد الله للتأكيد والتصريح به ، والتعبير تارة بالشام وتارة ببيت المقدس بالمعنى لأنهما في جهة واحدة .

 

كتاب الوضوء : باب الاستنجاء بالماء

" حدثنا  أبو الوليد هشام بن عبد الملك  قال : حدثنا  شعبة  عن  أبي معاذ  - واسمه  عطاء بن أبي ميمونة  - قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء . يعني يستنجي به " .

قوله : ( باب الاستنجاء بالماء ) أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه ، وعلى من نفى وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى  ابن أبي شيبة  بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال : إذاً لا يزال في يدي نتن . وعن  نافع  أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء . وعن ابن الزبير قال : ما كنا نفعله . ونقل